الشوكاني
296
فتح القدير
وآله وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب فأتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل صلاة الفجر ، فخرج فقال : من القوم ؟ فقلنا : نحن الفرارون ، فقال : لا ، بل أنتم العكارون . فقبلنا يده فقال : أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ، ثم قرأ ( إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) وقد روى في تحريم الفرار من الزحف ، وأنه من الكبائر أحاديث ، وورد عن جماعة من الصحابة أنه من الكبائر كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس . وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ، وأخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( فلم تقتلوهم ) قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال : هذا قتلت وهذا قتلت ( وما رميت إذ رميت ) قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حين حصب الكفار . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ( وما رميت إذ رميت ) قال : رماهم بوم بدر بالحصباء . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم ابن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتا من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه ، فانهزمنا ، فذلك قوله تعالى ( وما رميت إذ رميت ) الآية . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست . فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا ، فذلك قوله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وما رميت إذ رميت ) قال : قال رسول الله لعلي ناولني قبضة من حصباء ، فناوله فرمى بها في وجوه القوم فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت هذه الآية ( وما رميت إذ رميت ) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " استأخروا ، فاستأخروا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حربته في يده فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعا من أضلاعه ، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلا ، فاحتملوه حين ولوا قافلين فطفقوا يقولون لا بأس ، فقال أبي حين قالوا له ذلك : والله لو كانت بالناس لقتلتهم ، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله ، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه . قال ابن المسيب : وفي ذلك أنزل الله ( وما رميت إذ رميت ) " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري نحوه ، وإسناده صحيح إليهما ، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك . قال ابن كثير : وهذا القول هذين الإمامين غريب جدا ، ولعلهما أرادا أن الآية تتناولهما بعمومها ، وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير كما سيأتي . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤم ابن أبي الحقيق دعا بقوس فرمى بها الحصن ، فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه ، فأنزل الله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير في قوله ( ولكن الله رمى ) أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله من نصرك وما ألقى في صدور عدوك حتى هزمهم ( وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته .