الشوكاني
232
فتح القدير
وقرأ أهل الكوفة إلا الكسائي أرجه بسكون الهاء . قال الفراء : هي لغة للعرب يقفون على الهاء في الوصل ، وأنكر ذلك البصريون ، وقيل معنى أرجه : احبسه ، وقيل هو من رجا يرجو : أي أطمعه ودعه يرجوك ، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد بن المبرد ( وأرسل في المدائن حاشرين ) أي أرسل جماعة حاشرين في المدائن التي فيها السحرة ، وحاشرين مفعول أرسل ، وقيل هو منصوب على الحال ، و ( يأتوك ) جواب الأمر : أي يأتوك هؤلاء الذين أرسلتهم ( بكل سحار عليم ) أي بكل ماهر في السحر كثير العلم بصناعته ، قرأ أهل الكوفة إلى عاصم " سحار " وقرأ من عداهم " ساحر " . قوله ( وجاء السحرة فرعون ) في الكلام طي : أي فبعث في المدائن حاشرين وجاء السحرة فرعون . قوله ( قالوا إن لنا لأجرا ) أي فلما جاءوا فرعون قالوا له إن لنا لأجرا ، والجملة استئنافية جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : أي شئ قالوا له لما جاءوه ؟ والأجر الجائزة والجعل ، ألزموا فرعون أن يجعل لهم جعلا إن غلبوا موسى بسحرهم . قرأ نافع وابن كثير " إن لنا " على الإخبار ، وقرأ الباقون " أئن لنا " على الاستفهام ، استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة ، ومعنى الاستفهام التقرير . وأما على القراءة الأولى فكأنهم قاطعون بالجعل وأنه لا بد لهم منه ، فأجابهم فرعون بقوله ( نعم وإنكم لمن المقربين ) أي إن لكم لأجرا وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم لمن المقربين لدينا . قوله ( قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين ) هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما قالوا لموسى بعد أن قال لهم فرعون نعم وإنكم لمن المقربين . والمعنى : أنهم خيروا موسى بين أن يبتدئ بإلقاء ما يلقيه عليهم أو يبتدئوه هم بذلك تأدبا معه وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون وإن تأخروا ، وأن في موضع نصب ، قاله الكسائي والفراء : أي إما أن تفعل الإلقاء أو نفعله نحن . فأجابهم موسى بقوله ( ألقوا ) اختار أن يكونوا المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به . قال الفراء : في الكلام حذف . المعنى : قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته ، وقيل هو تهديد : أي ابتدئوا بالالقاء فستنظرون ما يحل بكم من الافتضاح والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر ( فلما ألقوا ) أي حبالهم وعصيهم ( سحروا أعين الناس ) أي قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة ( واسترهبوهم ) أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالا شديدا ( وجاءوا بسحر عظيم ) في أعين الناظرين لما جاءوا به ، وإن كان لا حقيقة له في الواقع . قوله ( وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ) أمره الله سبحانه عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر أن يلقى عصاه ( فإذا هي ) أي العصا ( تلقف ما يأفكون ) قرأ حفص ( تلقف ) بإسكان اللام وتخفيف القاف من لقف يلقف . وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف من تلقف يتلقف ، يقال لقفت الشئ وتلقفته : إذا أخذته أو بلغته . قال أبو حاتم : وبلغني في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد ، قال الشاعر : أنت عصا موسى التي لم تزل * تلقم ما يأفكه الساحر و " ما " في ( ما يأفكون ) مصدرية أو موصولة : أي إفكهم أو ما يأفكونه ، سماه إفكا ، لأنه لا حقيقة له في الواقع بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة ( فوقع الحق ) أي ظهر وتبين لما جاء به موسى ( وبطل ما كانوا يعملون ) من سحرهم : أي تبين بطلانه ( فغلبوا ) أي السحرة ( هنالك ) أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم ( وانقلبوا ) من ذلك الموقف ( صاغرين ) أذلاء مقهورين ( وألقى السحرة ساجدين ) أي خروا ساجدين كأنما ألقاهم ملق على هيئة السجود أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا أنفسهم ، وجملة ( قالوا آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ماذا قالوا عند سجودهم أو في سجودهم ، وإنما قالوا هذه المقالة وصرحوا