الشوكاني
231
فتح القدير
الظلم على الكفر لكون كفرهم بالآيات التي جاء بها موسى كان كفرا متبالغا لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التي جاءهم بها والمراد بالآيات هنا : هي الآيات التسع ، أو معنى ( فظلموا بها ) ظلموا الناس بسببها لما صدوهم عن الإيمان بها ، أو ظلموا أنفسهم بسببها ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) أي المكذبين بالآيات الكافرين بها وجعلهم مفسدين ، لأن تكذيبهم وكفرهم من أقبح أنواع الفساد . قوله ( وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) أخبره بأنه مرسل من الله إليه وجعل ذلك عنوانا لكلامه معه ، لأن من كان مرسلا من جهة من هو رب العالمين أجمعين فهو حقيق بالقبول لما جاء به كما يقول من أرسله الملك في حاجة إلى رعيته : أنا رسول الملك إليكم ثم يحكى ما أرسل به فإن في ذلك من تربية المهابة وإدخال الروعة ما لا يقادر قدره . قوله ( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) قرئ حقيق على أن لا أقول : أي واجب علي ولازم لي أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق ، وقرئ ( حقيق علي أن لا أقول ) بدون ضمير في علي ، قيل في توجيهه أن على معنى الباء : أي حقيق بأن لا أقول ، ويؤيده قراءة أبي والأعمش فإنهما قرآ " حقيق بأن لا أقول " ، وقيل إن ( حقيق ) مضمن معنى حريص ، وقيل إنه لما كان لازما للحق كان الحق لازما له ، فقول الحق حقيق عليه وهو حقيق على قول الحق ، وقيل إنه أغرق في وصف نفسه في ذلك المقام حتى جعل نفسه حقيقة على قول الحق كأنه وجب على الحق أن يكون موسى هو قائله . وقرأ عبد الله بن مسعود " حقيق أن لا أقول " بإسقاط على ، ومعناها واضح ثم قال : بعد هذا ( قد جئتكم ببينة من ربكم ) أي بما يتبين به صدقي وأني رسول من رب العالمين . وقد طوى هنا ذكر ما دار بينهما من المحاورة كما في موضع آخر أنه قال فرعون - فمن ربكما يا موسى - ثم قال بعد جواب موسى - وما رب العالمين - الآيات الحاكية لما دار بينهما . قوله ( فأرسل معي بني إسرائيل ) أمره بأن يدع بني إسرائيل يذهبون معه ويرجعون إلى أوطانهم وهي الأرض المقدسة . وقد كانوا باقين لديه مستعبدين ممنوعين من الرجوع إلى وطنهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فلما قال ذلك ( قال ) له فرعون ( إن كنت جئت بآية ) من عند الله كما تزعم ( فائت بها ) حتى نشاهدها وننظر فيها ( إن كنت من الصادقين ) في هذه الدعوى التي جئت بها . قوله ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) أي وضعها على الأرض فانقلبت ثعبانا : أي حية عظيمة من ذكور الحيات ، ومعنى ( مبين ) أن كونها حية في تلك الحال أمر ظاهر واضح لا لبس فيه ( ونزع يده ) أي أخرجها وأظهرها من جيبه أو من تحت إبطه وفى التنزيل - وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء - قوله ( فإذا هي بيضاء للناظرين ) أي فإذا يده التي أخرجها بيضاء تتلألأ نورا يظهر لكل مبصر ( قال الملأ ) أي الأشراف ( من قوم فرعون ) لما شاهدوا انقلاب العصى حية ، ومصير يده بيضاء من غير سوء ( إن هذا ) أي موسى ( لساحر عليم ) أي كثير العلم بالسحر ولا تنافى بين نسبة هذا القول إلى الملأ هنا وإلى فرعون في سورة الشعراء فكلهم قد قالوه ، فكان ذلك مصححا لنسبته إليهم تارة وإليه أخرى ، وجملة ( يريد أن يخرجكم من أرضكم ) وصف لساحر ، والأرض المنسوبة إليهم هي أرض مصر : وهذا من كلام الملأ ، وأما ( فماذا تأمرون ) فقيل هو من كلام فرعون ، قال للملأ لما قالوا بما تقدم : أي بأي شئ تأمرونني ، وقيل هو من كلام الملأ : أي قالوا لفرعون فبأي شئ تأمرنا وخاطبوه بما تخاطب به الجماعة تعظيما له كما يخاطب الرؤساء أتباعهم ، وما في موضع نصب بالفعل الذي بعدها ، ويجوز أن تكون ذا بمعنى الذي كما ذكره النحاة في ماذا صنعت ، وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى بدليل ما بعده وهو ( قالوا أرجه وأخاه ) قال الملأ جوابا لكلام فرعون حيث استشارهم وطلب ما عندهم من الرأي أرجه : أي أخره وأخاه يقال أرجأته وأرجيته : أخرته . قرأ عاصم والكسائي وحمزة وأهل المدينة " ارجه " بغير همز ، وقرأ الباقون بالهمز