الشوكاني
213
فتح القدير
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله ( ألا له الخلق والأمر ) قال : الخلق ما دون العرش ، والأمر ما فوق ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عنه قال : الخلق هو الخلق ، والأمر هو الكلام . سورة الأعراف الآية ( 55 - 58 ) أمرهم الله سبحانه بالدعاء ، وقيد ذلك بكون الداعي متضرعا بدعائه مخفيا له ، وانتصاب ( تضرعا وخفية ) على الحال : أي متضرعين بالدعاء مخفين له ، أو صفة مصدر محذوف : أي ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية . والتضرع من الضراعة ، وهي الذلة والخشوع والاستكانة ، والخفية : الإسرار به ، فإن ذلك أقطع لعرق الرياء ، وأحسم لباب ما يخالف الإخلاص ، ثم علل ذلك بقوله ( إنه لا يحب المعتدين ) أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وفي كل شئ ، فمن جاوز ما أمره الله به في شئ من الأشياء فقد اعتدى ، والله لا يحب المعتدين ، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولا أوليا . ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا ، أو إدراك ما هو محال في نفسه ، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة أو يرفع صوته بالدعاء صارخا به . قوله ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا ، ومنه قتل الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم . ومن الفساد في الأرض الكفر بالله والوقوع في معاصيه ، ومعنى ( بعد إصلاحها ) : بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتقرير الشرائع . قوله ( وادعوه خوفا وطمعا ) إعرابهما يحتمل الوجهين المتقدمين في ( تضرعا وخفية ) وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفا وجلا طامعا في إجابة الله لدعائه ، فإنه إذا كان عند الدعاء جامعا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه . والخوف : الانزعاج من المضار التي لا يؤمن من وقوعها ، والطمع : توقع حصول الأمور المحبوبة . قوله ( إن رحمت الله قريب من المحسنين ) هذا إخبار من الله سبحانه بأن رحمته قريبة من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم ، وفى هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم ، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عبادة الله . وقد اختلف أئمة اللغة والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة الله حيث قال قريب ولم يقل قريبة ، فقال الزجاج : إن الرحمة مؤولة بالرحم لكونها بمعنى العفو والغفران ، ورجح هذا التأويل النحاس ، وقال النضر بن شميل : الرحمة مصدر بمعنى الترحم ، وحق المصدر التذكير . وقال الأخفش سعيد : أراد بالرحمة هنا المطر ، وتذكير بعض المؤنث جائز ، وأنشد :