الشوكاني
214
فتح القدير
فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل أبقالها وقال أبو عبيدة : تذكير قريب على تذكير المكان : أي مكان قريب . قال علي بن سليمان الأخفش : وهذا خطأ ، ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا كما تقول : إن زيدا قريبا منك . وقال الفراء : إن القريب إذا كان بمعنى المسافة فيذكر ويؤنث ، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم . وروى عن الفراء أنه قال : يقال في النسب قريبة فلان ، وفى غير النسب يجوز التذكير والتأنيث فيقال : دارك عنا قريب وفلان منا قريب قال الله تعالى - وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا - ومنه قول امرئ القيس : لك الويل أن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وروى عن الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال : إن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما ، وقيل إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي جاز في خبرها التذكير ، ذكر معناه الجوهري . قوله ( وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) عطف على قوله ( يغشى الليل النهار ) يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على عباده مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلاهيته . ورياح جمع ريح ، وأصل ريح روح ، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " نشرا " بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب : أي ذات نشر . وقرأ الحسن وقتادة وابن عامر " نشرا " بضم النون وإسكان الشين من نشر . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " نشرا " بفتح النون وإسكان الشين على المصدر ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال ، ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النشر الذي هو خلاف الطي فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة . وقال أبو عبيدة : معناه متفرقة في وجوهها على معنى ننشرها هاهنا وهاهنا . وقرأ عاصم ( بشرا ) بالباء الموحدة وإسكان الشين جمع بشير : أي الرياح تبشر بالمطر ، ومثله قوله تعالى ( وهو الذي يرسل الرياح مبشرات ) . قوله ( بين يدي رحمته ) أراد بالرحمة هنا المطر : أي قدام رحمته ، والمعنى : أنه سبحانه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات بين يدي المطر . قوله ( حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ) أقل فلان الشئ : حمله ورفعه ، والسحاب يذكر ويؤنث ، والمعنى : حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا بالماء الذي صارت تحمله ( سقناه ) أي السحاب بلد ميت ، أي مجدب ليس فيه نبات ، يقال سقته لبلد كذا ، وإلى بلد كذا ، وقيل اللام هنا لام العلة : أي لأجل بلد ميت ، والبلد هو الموضع العامر من الأرض ( فأنزلنا به الماء ) أي بالبلد الذي سقناه لأجله أو بالسحاب : أي أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله أو بالريح : أي فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء ، وقيل إن الباء هنا بمعنى من : أي فأنزلنا منه الماء ( فأخرجنا به ) أي بالماء ( من كل الثمرات ) أي من جميع أنواعها . قوله ( كذلك نخرج الموتى ) أي مثل ذلك الإخراج ، وهو إخراج الثمرات نخرج الموتى من القبور يوم حشرهم ( لعلكم تذكرون ) أي تتذكرون فتعلمون بعظيم قدرة الله وبديع صنعته ، وإنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج الثمرات التي تشاهدونها . قوله ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) أي التربة الطيبة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره إخراجا حسنا تاما وافيا ( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) أي والتربة الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدا : أي لا خير فيه . وقرأ طلحة بن مصرف " نكدا " بسكون الكاف . وقرأ ابن القعقاع " نكدا " بفتح الكاف : أي ذا نكد . وقرأ الباقون " نكد " بفتح النون وكسر الكاف . وقرئ ( يخرج ) أي يخرجه البلد ، قيل ومعنى الآية التشبيه شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب ، والبليد بالبلد الخبيث ، ذكره النحاس ، وقيل هذا مثل للقلوب ، فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب ، والنائي عنه بالبلد الخبيث ، قاله الحسن ، وقيل هو مثل لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة ، وقيل هو مثل للطيب والخبيث من بني آدم ، قاله مجاهد ( كذلك نصرف الآيات ) أي مثل ذلك التصريف ( لقوم يشكرون ) الله ويعترفون بنعمته .