الشوكاني
211
فتح القدير
وأصل ستة سدسة أبدلت التاء من أحد السينين وأدغم فيها الدال ، والدليل على هذا أنك تقول في التصغير سديسة ، وفى الجمع أسداس ، وتقول جاء فلان سادسا . واليوم من طلوع الشمس إلى غروبها ، قيل هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل من أيام الآخرة ، وهذه الأيام الست أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة يقول لها كوني فتكون ، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور ، أو خلقها في ستة أيام لكون لكل شئ عنده أجلا ، وفى آية أخرى - ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب - قوله ( ثم استوى على العرش ) . قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولا ، وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف بل على الوجه الذي يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه ، والاستواء في لغة العرب هو العلو والاستقرار . قال الجوهري : استوى على ظهر دابته : أي استقر ، واستوى إلى السماء : أي صعد ، واستوى : أي استولى وظهر ، ومنه قول الشاعر : قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق واستوى الرجل : أي انتهى شبابه ، واستوى : أي انتسق واعتدل . وحكى عن أبي عبيدة أن معنى ( استوى ) هنا : علا ، ومثله قول الشاعر : فأورد بهم ماء ثقيفا بقفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا وارتفع . والعرش . قال الجوهري : هو سرير الملك . ويطلق العرش على معان أخر منها عرش البيت : سقفه ، وعرش البئر : طيها بالخشب ، وعرش السماك : أربعة كواكب صغار ، ويطلق على الملك والسلطان والعز ومنه قول زهير : تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل وقول الآخر : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحرث بن شهاب وقول الآخر : رأوا عرشي تثلم جانباه * فلما أن تثلم أفردوني وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما ، وهو المراد هنا . قوله ( يغشى الليل النهار ) أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطى بظلمته ضياءه . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " يغشى " بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف وهما لغتان ، يقال أغشى يغشى ، وغشى يغشى ، والتغشية في الأصل : إلباس الشئ الشئ ، ولم يذكر في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله تعالى - سرابيل تقيكم الحر - . وقرأ حميد بن قيس يغشى الليل النهار " على إسناد الفعل إلى الليل ، ومحل هذه الجملة النصب على الحال ، والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار ، وهكذا قوله ( يطلبه حثيثا ) حال من الليل : أي حال كون الليل طالبا للنهار طلبا حثيثا لا يفتر عنه بحال ، وحثيثا صفة مصدر محذوف ، أي يطلبه طلبا حثيثا : أو حال من فاعل يطلب . والحث : الاستعجال والسرعة ، يقال ولي حثيثا : أي مسرعا . قوله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) قال الأخفش : معطوف على السماوات ، وقرأ ابن عامر برفعها كلها على الابتداء والخبر . والمعنى على الأول : وخلق الشمس والقمر والنجوم حال كونها مسخرات ، وعلى الثاني : الإخبار عن هذه بالتسخير . قوله ( ألا له الخلق والأمر ) إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له ، والخلق : المخلوق ، والأمر : كلامه ، وهو كن في قوله - إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون - أو المراد بالأمر ما يأمر به