الشوكاني
201
فتح القدير
على التحليل والتحريم . قوله ( قل إنما حرم ربي الفواحش ) جمع فاحشة . وقد تقدم تفسيرها ( ما ظهر منها وما بطن ) أي ما أعلن منها وما أسر ، وقيل هي خاصة بفواحش الزنا ولا وجه لذلك ، والإثم يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم ، وقيل هو الخمر خاصة ، ومنه قول الشاعر : شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول ومثله قول الآخر : يشرب الإثم بالصواع جهارا * وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصا بالخمر . قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك ، وحقيقته أنه جميع المعاصي ، كما قال الشاعر : إني وجدت الأمر أرشده * تقوى الإله وشره الإثم قال الفراء : الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس انتهى . وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به ، فهو أحد المعاصي التي يصدق عليها . قال في الصحاح : وقد يسمى الخمر إثما ، وأنشد : شربت الإثم * البيت ، وكذا أنشده الهروي قبله في غريبته . قوله ( والبغي بغير الحق ) أي الظلم المجاوز للحد ، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنبا عظيما كقوله - وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي - ( وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) أي وأن تجعلوا لله شريكا لم ينزل عليكم به حجة . والمراد التهكم بالمشركين ، لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون غيره شريكا له ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) بحقيقته وأن الله قاله ، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها . وقد أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فنزلت ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال : كان الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة . والزينة : اللباس وما يواري السوءة وما سوى ذلك من جيد البر والمتاع . وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا زينة الصلاة ، قالوا : وما زينة الصلاة ؟ قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها " . وأخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال : صلوا في نعالكم . والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جدا ، وأما كون ذلك هو تفسير الآية كما روى في هذين الحديثين فلا أدري كيف إسنادهما . وقد ورد النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ ، وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ( إنه لا يحب المسرفين ) قال : في الطعام والشراب . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف ، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون ، فأنزل الله ( قل من حرم زينة الله )