الشوكاني

190

فتح القدير

سورة الأعراف الآية ( 14 - 18 ) قوله ( والوزن يومئذ الحق ) الوزن مبتدأ وخبره الحق : أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه ، أو الخبر يومئذ ، والحق وصف للمبتدأ ، أي الوزن العدل كائن في هذا اليوم ، وقيل إن الحق خبر مبتدأ محذوف . واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم ، فقيل المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزنا حقيقيا ، وهذا هو الصحيح ، وهو الذي قامت عليه الأدلة ، وقيل توزن نفس الأعمال وإن كانت أعراضا فإن الله يقلبها يوم القيامة أجساما كما جاء في الخبر الصحيح : " إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف " . وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك ، وقيل الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق ، وقيل الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء ، وذكرهما من باب ضرب المثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا ، قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان ، والأولى أن نتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان . قال القشيري : وقد أحسن الزجاج فيما قال ، إذ لو حمل الصراط على الدين الحق ، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد ، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة والملائكة على القوى المحمودة ، ثم قال : وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصا انتهى . والحق هو القول الأول . وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فما يأتون في استبعادهم بشئ من الشرع يرجع إليه ، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية ، وليس في ذلك حجة على أحد ، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كل ما شاء ، وتركوا الشرع خلف ظهورهم وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ، ويتحد قبولهم لها . بل كل فريق يدعى على العقل ما يطابق هواه ، ويوافق ما يذهب إليه هو أو من هو تابع له ، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم ، يعرف هذا كل منصف ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه . وقد ورد ذكر الوزن والموازين في مواضع من القرآن كقوله - ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا - ، وقوله - فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، وقوله - فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون - ، وقوله - إن الله لا يظلم مثقال ذرة - ، وقوله - فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية . وأما من خفت موازينه فأمه هاوية - ، والفاء