الشوكاني

191

فتح القدير

في ( فمن ثقلت موازينه ) للتفصيل . والموازين : جمع ميزان ، وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها ، وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال ، وقيل إن الموازين جمع موزون : أي فمن رجحت أعماله الموزونة ، والأول أولى . وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله ، وقيل هو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما يقال : خرج فلان إلى مكة على البغال ، والإشارة بقوله ( فأولئك ) إلى من ، والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير ( موازينه ) باعتبار لفظه وهو مبتدأ خبره ( هم المفلحون ) والكلام في قوله ( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) مثله ، والباء في ( بما كانوا بآياتنا يظلمون ) سببية ، وما مصدرية . ومعنى ( يظلمون ) يكذبون . قوله ( ولقد مكناكم في الأرض ) أي جعلنا لكم فيها مكانا وهيأنا لكم فيها أسباب المعايش . والمعايش جمع معيشة : أي ما يتعايش به من المطعوم والمشروب وما تكون به الحياة ، يقال عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا . قال الزجاج : المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش ، والمعيشة عند الأخفش وكثير من النحويين مفعلة . وقرأ الأعرج " معائش " بالهمز ، وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع . قال النحاس : والهمز لحن لا يجوز ، لأن الواحدة معيشة والياء أصلية كمدينة ومداين وصحيفة وصحايف . قوله ( قليلا ما تشكرون ) الكلام فيه كالكلام فيما تقدم قريبا من قوله تعالى - قليلا ما تذكرون . قوله ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) هذا ذكر نعمة أخرى من نعم الله على عبيده . والمعنى : خلقناكم نطفا ثم صورناكم بعد ذلك ، وقيل المعنى : خلقنا آدم من تراب ثم صورناكم في ظهره ، وقيل ( ولقد خلقناكم ) يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر ( ثم صورناكم ) راجع إليه ، ويدل عليه ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) فإن ترتيب هذا القول على الخلق والتصوير يفيد أن المخلوق المصور آدم عليه السلام . وقال الأخفش : إن ثم في ( ثم صورناكم ) بمعنى الواو ، وقيل المعنى : خلقناكم من ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق ، قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال ، وقيل المعنى : ولقد خلقنا الأرواح أولا ، ثم صورنا الأشباح ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم : أي أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر ، وفعلوا السجود بعد الأمر ( إلا إبليس ) قيل الاستثناء متصل بتغليب الملائكة على إبليس لأنه كان منفردا بينهم ، أو كما قيل : لأن من الملائكة جنسا يقال لهم الجن ، وقيل غير ذلك ، وقد تقدم تحقيقه في البقرة . قوله ( لم يكن من الساجدين ، جملة مبينة لما فهم من معنى الاستثناء ومن جعل الاستثناء منقطعا قال معناه : لكن إبليس لم يكن من الساجدين ، وجملة ( قال ما منعك ألا تسجد ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل فماذا قال له الله ؟ و " لا " في ( أن لا تسجد ) زائدة للتوكيد بدليل قوله تعالى في سورة ص - ما منعك أن تسجد - ، وقيل إن منع بمعنى قال ، والتقدير : من قال لك أن لا تسجد ، وقيل منع بمعنى دعا : أي ما دعاك إلى أن لا تسجد ، وقيل في الكلام حذف ، والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى أن لا تسجد ( إذ أمرتك ) : أي وقت أمرتك ، وقد استدل به على أن الأمر للفور ، والبحث مقرر في علم الأصول ، والاستفهام في ( ما منعك ) للتقريع والتوبيخ ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك ، وجملة ( قال أنا خير منه ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فما قال إبليس ؟ وإنما قال في الجواب أنا خير منه ، ولم يقل منعني كذا ، لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع وهو اعتقاده أنه أفضل منه . والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله . ثم علل ما ادعاه من الخيرية بقوله ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) اعتقادا منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين . وقد أخطأ عدو الله فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه وهي حقيقة مضطربة سريعة النفاد ، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها ، وهي عذاب دونه ، وهي محتاجة وكان إليه لتتحيز فيه وهو مسجد وطهور ، ولولا سبق شقاوته وصدق