الشوكاني
185
فتح القدير
يقول لهم بهذه المقالة عقب أمره بأن يقول لهم بالمقالة السابقة ، قيل ووجه ذلك أن ما تضمنه القول الأول إشارة إلى أصول الدين ، وهذا إلى فروعها . والمراد بالصلاة جنسها فيدخل فيه جميع أنواعها ، وقيل المراد بها هنا صلاة الليل ، وقيل صلاة العيد . والنسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة كذا قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم : أي ذبيحتي في الحج والعمرة . وقال الحسن : ديني . وقال الزجاج : عبادتي من قولهم : نسك فلان هو ناسك : إذا تعبد ، وبه قال جماعة من أهل العلم ( ومحياي ومماتي ) أي ما أعمله في حياتي ومماتي من أعمال الخير ، ومن أعمال الخير في الممات الوصية بالصدقات وأنواع القربات ، وقيل نفس الحياة ونفس الموت ( لله ) قرأ الحسن نسكي بسكون السين . وقرأ الباقون بضمها . وقرأ أهل المدينة محياي بسكون الياء . وقرأ الباقون بفتحها لئلا يجتمع ساكنان قال النحاس : لم يجزه ، أي السكون أحد من النحويين إلا يونس ، وإنما أجازه لأن المدة التي في الألف تقوم مقام الحركة . وقرأ ابن إسحاق وعيسى بن عمرو عاصم الجحدري محيى من غير ألف وهي لغة عليا مضر ، ومنه قول الشاعر : سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل جنب مصرع ( لله رب العالمين ) أي خالصا له لا شريك له فيه ، والإشارة ( بذلك ) إلى ما أفاده ( لله رب العالمين لا شريك له ) من الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده . قوله ( وأنا أول المسلمين ) أي أول مسلمي أمته ، وقيل أول المسلمين أجمعين ، لأنه وإن كان متأخرا في الرسالة فهو أولهم في الخلق ، ومنه قوله تعالى - وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح - الآية ، والأول أولى . قال ابن جرير الطبري : استدل بهذه الآية الشافعي على مشروعية افتتاح الصلاة بهذا الذكر ، فإن الله أمر به نبيه وأنزله في كتابه ، ثم ذكر حديث علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " إلى قوله - وأنا أول المسلمين - قلت هذا هو في صحيح مسلم مطولا ، وهو أحد التوجهات الواردة ، ولكنه مقيد بصلاة الليل كما في الروايات الصحيحة ، وأصح التوجهات الذي كان يلازمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرشد إليه هو " اللهم باعد بيني وبين خطاياي " إلى آخره ، وقد أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى بمالا يحتاج إلى زيادة عليه هنا . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ( إن صلاتي ) قال : يعني المفروضة ( ونسكي ) يعني الحج . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ( ونسكي ) قال : ذبيحتي . وأخرجا أيضا عن قتادة ( إن صلاتي ونسكي ) قال : حجي وذبيحتي . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ونسكي ) قال : ذبيحتي في الحج والعمرة . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله . ( ونكسي ) قال : ضحيتي . وفي قوله ( وأنا أول المسلمين ) قال : من هذه الأمة . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته ، وقولي إن صلاتي إلي وأنا أول المسلمين ، قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة ، فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة ؟ قال : لا بل للمسلمين عامة " .