الشوكاني

186

فتح القدير

سورة الأنعام الآية ( 164 - 165 ) الاستفهام في ( أغير الله أبغي ربا ) للإنكار وهو جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غير الله : أي كيف أبغي غير الله ربا مستقلا وأترك عبادة الله أو شريكا لله فأعبدهما معا ، والحال أنه رب كل شئ ، والذي تدعونني إلى عبادته هو من جمله من هو مربوب له مخلوق مثلي لا يقدر على نفع ولا ضر ، وفى هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما لا يقادر قدره ، وغير منصوب بالفعل الذي بعده ، وربا تمييز أو مفعول ثان على جعل الفعل ناصبا لمفعولين قوله ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها ، فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها ، وهو مثل قوله تعالى - لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت - وقوله - ولتجزى كل نفس بما تسعى . قوله ( ولا تزر وزارة وزر أخرى ) أصل الوزر الثقل ، ومنه قوله تعالى - ووضعنا عنك وزرك - وهو هنا الذنب - وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم - قال الأخفش ، يقال وزر يوزر ، ووزر يزر وزرا ، ويجوز إزرا ، وفيه رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه ، والواحد من القبيلة بذنب الآخر وقد قيل إن المراد بهذه الآية في الآخرة وكذلك التي قبلها لقوله تعالى - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ومثله قول زينب بنت جحش : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث ، والأولى حمل الآية على ظاهرها : أعني العموم وما ورد من المؤاخذة بذنب الغير كالدية التي تحملها العاقلة ونحو ذلك ، فيكون في حكم المخصص بهذا العموم ويقر في موضعه ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي أثقال الذين يضلونهم كما في الآية الأخرى - ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ( ثم إلى ربكم مرجعكم ) يوم القيامة ( فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) في الدنيا ، وعند ذلك يظهر حق المحقين وباطل المبطلين . قوله ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) خلائف جمع خليفة : أي جعلكم خلفاء الأمم الماضية والقرون السالفة ، قال الشماخ : أصيبهم وتخطئني المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع أو المراد أنه يخلف بعضهم بعضا ، أو أن هذا النوع الإنساني خلفاء الله في أرضه ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم ، ودرجات منصوب بنزع الخافض : أي إلى درجات ( ليبلوكم فيما آتاكم ) أي ليختبركم فيما آتاكم من تلك الأمور ، أو ليبتلي بعضكم ببعض كقوله تعالى - وجعلنا بعضكم لبعض فتنه - ثم خوفهم فقال ( إن ربك سريع العقاب ) فإنه وإن كان في الآخرة فكل آت قريب كما قال - وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب - ثم رغب من يستحق الترغيب من المسلمين فقال ( وإنه لغفور رحيم ) أي كثير الغفران والرحمة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولا تزر وازرة ) قال : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) قال : أهلك القرون الأولى فاستخلفنا فيها بعدهم ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) قال : في الرزق