الشوكاني

147

فتح القدير

كعب القرظي في قوله ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) قال : رطبه وعنبه . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء ( وينعه ) قال نضجه . سورة الأنعام الآية ( 100 - 103 ) هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم . قال النحاس : الجن المفعول الأول ، وشركاء المفعول الثاني كقوله تعالى - وجعلكم ملوكا - وجعلت له مالا ممدودا - وأجاز الفراء : أن يكون الجن بدلا من شركاء ومفسرا له . وأجاز الكسائي رفع الجن بمعنى هم الجن ، كأنه قيل من هم ؟ فقيل الجن ، وبالرفع قرأ يزيد بن أبي قطيب وأبو حيان ، وقرئ بالجر على إضافة شركاء إلى الجن للبيان . والمعنى : أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه ، وعظموهم كما عظموه . وقيل المراد بالجن هاهنا الملائكة لاجتنانهم : أي استتارهم ، وهم الذين قالوا : الملائكة بنات الله ، وقيل نزلت في الزنادقة الذين قالوا : إن الله تعالى وإبليس أخوان ، فالله خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب . وروى ذلك عن الكلبي ، ويقرب من هذا قول المجوس ، فإنهم قالوا : للعالم صانعان هما الرب سبحانه والشيطان . وهكذا القائلون : كل خير من النور ، وكل شر من الظلمة ، وهم المانوية . قوله ( وخلقهم ) جملة حالية بتقدير قد : أي وقد علموا أن الله خلقهم ، أو خلق ما جعلوه شريكا لله . قوله ( وخرقوا له بنين وبنات ) قرأ نافع بالتشديد على التكثير ، لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله ، والنصارى ادعو أن المسيح ابن الله ، واليهود ادعوا أن عزيرا ابن الله ، فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى . وقرأ الباقون بالتخفيف . وقرئ ( حرفوا ) من التحريف أي زوروا . قال أهل اللغة : معنى خرقوا اختلقوا وافتعلوا وكذبوا ، يقال اختلق الإفك واخترقه وخرقه ، أو أصله من خرق الثوب : إذا شقه : أي اشتقوا له بنين وبنات . قوله ( بغير علم ) متعلق بمحذوف هو حال : أي كائنين بغير علم ، بل قالوا ذلك عن جهل خالص ، ثم بعد حكاية هذا الضلال البين والبهت الفظيع من جعل الجن شركاء لله ، وإثبات بنين وبنات له نزه الله نفسه ، فقال ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) وقد تقدم الكلام في معنى سبحانه . ومعنى " تعالى " : تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به . قوله ( بديع السماوات والأرض ) أي مبدعهما ، فيكف يجوز أن ( يكون له ولد ) وقد جاء البديع : بمعنى المبدع كالسميع بمعنى المسمع كثيرا ، ومنه قول عمرو بن معدي كرب : أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع أي المسمع ، وقيل هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل ، والأصل بديع سماواته وأرضه . وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله . والظاهر أن رفعه على تقدير مبتدأ محذوف ، أو على أنه مبتدأ وخبره ( أنى يكون له ولد )