الشوكاني
148
فتح القدير
وقيل هو مرفوع على أنه فاعل " تعالى " ، وقرئ بالنصب على المدح ، والاستفهام في ( أنى يكون له ولد ) للإنكار والاستبعاد : أي من كان هذا وصفه ، وهو أنه خالق السماوات والأرض وما فيهما كيف يكون له ولد ؟ وهو من جملة مخلوقاته ، وكيف يتخذ ما يخلقه ولدا ، ثم بالغ في نفي الولد ، فقال ( ولم تكن له صاحبة ) أي كيف يكون له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة ، والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد ، وجملة ( وخلق كل شئ ) لتقرير ما قبلها ، لأن من كان خالقا كل شئ استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولدا ( وهو بكل شئ عليم ) لا تخفى عليه من مخلوقاته خافية ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى الأوصاف السابقة ، وهو في موضع رفع على الابتداء وما بعده خبره ، وهو الاسم الشريف ، و ( ربكم ) خبر ثان ، و ( لا إله إلا هو ) خبر ثالث ، و ( خالق كل شئ ) خبر رابع ، ويجوز أن يكون ( الله ربكم ) بدلا من اسم الإشارة ، وكذلك ( لا إله إلا هو خالق كل شئ ) خبر المبتدأ ، ويجوز ارتفاع خالق على إضمار مبتدأ ، وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه ( فاعبدوه ) أي من كانت هذه صفاته ، فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شئ . قوله ( لا تدركه الأبصار ) الأبصار : جمع بصر ، وهو الحاسة ، وإدراك الشئ عبارة عن الإحاطة به . قال الزجاج : أي لا تبلغ كنه حقيقته ، فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية . فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا شك فيه ولا شبهة ، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلا عظيما ، وأيضا قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي ، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار ، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية ، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة ، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب ، والأول تخلفه الجزئية ، والتقدير : لا تدركه كل الأبصار بل بعضها ، وهي أبصار المؤمنين . والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة ، واعتضادها بقوله تعالى - وجوه يومئذ ناضرة - الآية . قوله ( وهو يدرك الأبصار ) أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية ، وخص الأبصار ليجانس ما قبله . وقال الزجاج : في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار : أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشئ الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى ( وهو اللطيف ) أي الرفيق بعباده : يقال لطف فلان بفلان : أي رفق به ، واللطف في العمل الرفق فيه ، واللطف من الله التوفيق والعصمة ، وألطفه بكذا : إذا أبره : والملاطفة : المبارة ، هكذا قال الجوهري وابن فارس ، و ( الخبير ) المختبر بكل شئ بحيث لا يخفى عليه شئ . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ) قال : والله خلقهم ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) قال : تخرصوا . وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله ( وخرقوا ) قال : جعلوا : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كذبوا . وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( لا تدركه الأبصار ) قال : لو أن الإنس والجن والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا . قال الذهبي : هذا حديث منكر انتهى . وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف . وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال : رأى محمد ربه ، قال عكرمة : فقلت له أليس الله يقول ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال : لا أم لك ذاك نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شئ .