الشوكاني

144

فتح القدير

التفسير يقولون المستقر ما كان في الرحم ، والمستودع ما كان في الصلب ، وقيل المستقر من خلق ، والمستودع من لم يخلق ، وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث . ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول الله تعالى - ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين - ، وذكر سبحانه هاهنا ( يفقهون ) وفيما قبله ( يعلمون ) لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرا وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء . فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر . قوله ( وهو الذي أنزل من السماء ماء ) هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته . والماء هو ماء المطر ، وفي ( فأخرجنا به ) التفات من الغيبة إلى التكلم إظهار للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه ، والضمير في ( به ) عائد إلى الماء ، و ( نبات كل شئ ) يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة ، وقيل المعنى رزق كل شئ ، والتفسير الأول أولى . ثم فصل هذا الإجمال فقال ( فأخرجنا منه خضرا ) قال الأخفش : أي أخضر . والخضر : رطب البقول ، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة ، وقيل يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب ( نخرج منه حبا ) هذه الجملة صفة لخضرا : أي نخرج من الأغصان الخضر حبا متراكبا : أي مركبا بعضه على بعضه كما في السنابل ( ومن النخل ) خبر مقدم ، و ( من طلعها ) بدل منه ، وعلى قراءة من قرأ يخرج منه حب يكون ارتفاع قنوان على أنه معطوف على حب ، وأجاز الفراء في غير القرآن قنوانا عطفا على حبا ، وتميم يقولون قنيان . وقرئ بضم القاف وفتحها باعتبار اختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل الحجاز . والطلع : الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض ، والإغريض ، يسمى طلعا أيضا . والقوان : جمع قنو ، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسور النون ، والجمع على ما يقتضيه الإعراب ، ومثله صنوان . والقنو : العذق . والمعنى : أن القنوان أصله من الطلع . والعذق هو عنقود النخل ، وقيل القنوان : الجمار . والدانية : القريبة التي ينالها القائم والقاعد . قال الزجاج : المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف ، ومثله - سرابيل تقيكم الحر - وخص الدانية بالذكر لأن الغرض من الآية بيان القدر والامتنان ، وذلك فيما يقرب تناوله أكثر . قوله ( وجنات من أعناب ) قرأ محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش وعاصم في قراءته الصحيحة عنه برفع جنات ، وقرأ الباقون بالنصب . وأنكر القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم حتى قال أبو حاتم هي محال ، لأن الجنات لا تكون من النخل . قال النحاس : ليس تأويل الرفع عل هذا ولكنه رفع بالابتداء ، والخبر محذوف : أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء - وحور عين ، وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء ، وأما على النصب فقيل هو معطوف على ( نبات كل شئ ) أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب ، أو النصب بفعل يقدر متأخرا : أي وجنات من أعناب أخرجناهم ، وهكذا القول في انتصاب الزيتون والرمان : وقيل هما منصوبان على الاختصاص لكونهما عزيزين ، و ( مشتبها ) منتصب على الحال : أي كل واحد منهما يشبه بعضه بعضا في بعض أوصافه ولا يشبه بعضه بعضا في البعض الآخر ، وقيل إن أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه ، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم ، وقيل خص الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما في قول الله سبحانه - أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت - ، ثم أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع . والثمر في اللغة : جنى الشجر . واليانع : الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه . قال ابن الأنباري : الينع جمع يانع . كركب وراكب . وقال الفراء : أينع احمر . وقرأ حمزة والكسائي " ثمره " بضم الثاء والميم ، وقرأ الباقون بفتحها ، إلا الأعمش فإنه قرأ ثمره بضم الثاء وسكون الميم تخفيفا . وقرأ محمد بن السميفع وابن محيصن وابن أبي إسحاق " وينعه " بضم الياء التحتية .