الشوكاني
143
فتح القدير
والأول أولى ، والإشارة ( بذلكم ) إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقا و ( الله ) خبره . والمعنى : أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال ، والمفضل بكل إفضال ، والمستحق لكل حمد وإجلال ( فأنى تؤفكون ) فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته . قوله ( فالق الإصباح ) مرتفع على أنه من جملة أخبار " إن " في ( إن الله فالق الحب والنوى ) ، وقيل هو نعت للاسم الشريف في ( ذلكم الله ) ، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر ( فالق الأصباح ) بفتح الهمزة ، وقرأ الجمهور بكسرها ، وهو على قراءة الفتح جمع صبح ، وعلى قراءة الكسر مصدر أصبح ، والصبح والصباح : أول النهار ، وكذا الإصباح ، وقرأ النخعي ( فلق الإصباح ) بفعل وهمزة مكسورة . والمعنى في ( فالق الإصباح ) أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه ، أو يكون المعنى على حذف مضاف : أي فالق ظلمة الإصباح ، وهي الغبش ، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار ، لأنه يبدو مختلطا بالظلمة ثم يصير أبيض خالصا . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وعاصم وحمزة والكسائي ( وجعل الليل سكنا ) حملا على معنى ( فالق ) عند حمزة والكسائي ، وأما عند الحسن وعيسى فعطفا على فلق . وقرأ الجمهور وجاعل عطفا على فالق . وقرئ فالق وجاعل بنصبهما على المدح . وقرأ يعقوب " وجاعل الليل ساكنا " . والسكن : محل السكون ، من سكن إليه : إذا اطمأن إليه ، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم ويستريحون من التعب والنصب . قوله ( والشمس والقمر حسبانا ) بالنصب على إضمار فعل : أي وجعل الشمس والقمر ، وبالرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره والشمس والقمر مجعولان حسبانا ، وبالجر عطفا على الليل على قراءة من قرأ وجاعل الليل . قال الأخفش : والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب . وقال يعقوب : حسبان مصدر حسبت الشئ أحسبه حسبا وحسبانا . والحساب : الاسم ، وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح ، والحسبان بالكسر مصدر حسب ، والمعنى : جعلهما محل حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه ، وقيل الحسبان : الضياء ، وفى لغة أن الحسبان : النار ، ومنه قوله تعالى - ويرسل عليها حسبانا من السماء - والإشارة ب ( ذلك تقدير العزيز العليم ) إلى الجعل المدلول عليه بجاعل أو بجعل على القراءتين . والعزيز : القاهر الغالب . والعليم : كثير العلم ، ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم . قوله ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ) أي خلقها للاهتداء بها ( في ظلمات ) الليل عند المسير في ( البر والبحر ) وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لكونها ملابسة لهما ، أو المراد بالظلمات : اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم ، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها ، ومنها ما ذكره الله في قوله - وحفظا من كل شيطان مارد - . - وجعلناها رجوما للشياطين - ، ومنها جعلها زينة للسماء ، ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية ( قد فصلنا الآيات ) التي بيناها بيانا مفصلا لتكون أبلغ في الاعتبار ( لقوم يعلمون ) بما في هذه الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته . قوله ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ) أي آدم عليه السلام كما تقدم ، وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته ( فمستقر ومستودع ) قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي بكسر القاف والباقون بفتحها ، وهما مرفوعان على أنهما مبتدآن وخبرهما محذوف ، والتقدير : فمنكم مستقر أو فلكم مستقر ، التقدير الأول على القراءة الأولى ، والثاني على الثانية : أي فمنكم مستقر على ظهر الأرض ، أو فلكم مستقر على ظهرها ، ومنكم مستودع في الرحم أوفي باطن الأرض أو في الصلب ، وقيل المستقر في الرحم ، والمستودع في الأرض ، وقيل المستقر في القبر . قال القرطبي : وأكثر أهل