الشوكاني

140

فتح القدير

يوح إليه شئ ) أي والحال أنه لم يوح إليه شئ ، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم ، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الإضلال كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح . قوله ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) معطوف على " من افترى " أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ ، أو ممن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، وهم القائلون - لو نشاء لقلنا مثل هذا - وقيل هو عبد الله بن أبي سرح ، فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأملى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ثم أنشأناه خلقا آخر - فقال عبد الله - فتبارك الله أحسن الخالقين - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هكذا أنزلت " فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف . قوله ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له ، والمراد كل ظالم ، ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولا أوليا ، وجواب لو محذوف : أي لرأيت أمرا عظيما ، والغمرات جمع غمرة : وهي الشدة ، وأصلها الشئ الذي يغمر الأشياء فيغطيها ، ومنه غمرة الماء ، ثم استعملت في الشدائد ، ومنه غمرة الحرب . قال الجوهري : والغمرة الشدة والجمع غمر : مثل نوبة ونوب ، وجملة ( والملائكة باسطوا أيديهم ) في محل نصب : أي والحال أن الملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواح الكفار ، وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد ، ومثله قوله تعالى - ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم - . قوله ( أخرجوا أنفسكم ) أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها ، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب ، أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم وسلموها إلينا لنقبضها ( اليوم تجزون عذاب الهون ) أي اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم ، أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي مبدؤه عذاب القبر ، والهون والهوان بمعنى : أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذي تصيرون به في إهانة وذلة بعد ما كنتم فيه من الكبر والتعاظم ، والباء في ( بما كنتم تقولون على الله غير الحق ) للسببية : أي بسبب قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به ( وكنتم عن آياته تستكبرون ) عن التصديق لها والعمل بها فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون - جزاء وفاقا - . قوله ( ولقد جئتمونا فرادى ) قرأ أبو حيوة فرادى بالتنوين ، وهي لغة تميم ، وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ينصرف . وحكى ثعلب " فراد " بلا تنوين مثل : ثلاث ورباع ، وفرادى جمع فرد كسكارى جمع سكران وكسالى جمع كسلان ، والمعنى : جئتمونا منفردين واحدا واحدا كل واحد منفرد عن أهله وماله وما كان يعبده من دون الله فلم ينتفع بشئ من ذلك ( كما خلقناكم أول مرة ) أي على الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم ، والكاف نعت مصدر محذوف : أي جئتمونا مجيئا مثل مجيئكم عند خلقنا لكم ، أو حال من ضمير فرادى : أي مشابهين ابتداء خلقنا لكم ( وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) أي أعطيناكم ، والحول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا : أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشئ منه ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين ) عبدتموهم وقلتم - ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى - و ( زعمتم أنهم فيكم شركاء ) لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها . قوله ( لقد تقطع بينكم ) . قرأ نافع والكسائي وحفص بنصب بينكم على الظرفية ، وفاعل تقطع محذوف : أي تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم كما يدل عليه ( وما نرى معكم شفعاءكم ) . وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين : أي وقع التقطع بينكم ، ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع في إسناد الفعل إلى الظرف ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا . وقرأ ابن مسعود