الشوكاني
139
فتح القدير
وهم من اليهود أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها ، فقال ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) وهم يعترفون بذلك ويذعنون له ، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه من وقوع إنزال الله على البشر وهم الأنبياء عليهم السلام ، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم ، وقيل إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك ويعلمونه بالأخبار من اليهود ، وقد كانوا يصدقونهم و ( نورا وهدى ) منتصبان على الحال و ( للناس ) متعلق بمحذوف هو صفة لهدى : أي كائنا للناس . قوله ( تجعلونه قراطيس ) أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل وكتم صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكورة فيه ، وهذا ذم لهم ، والضمير في ( تبدونها ) راجع إلى القراطيس ، وفى ( تجعلونه ) راجع إلى الكتاب ، وجملة تجعلونه في محل نصب على الحال ، وجملة تبدونها صفة لقراطيس ( وتخفون كثيرا ) معطوف على " تبدونها " : أي وتخفون كثيرا منها ، والخطاب في ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) لليهود : أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها ، والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور التي أوحى الله إليه بها ، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه آباؤهم ، ويجوز أن يكون ما في " ما لم تعلموا " عبارة عما علموه من التوراة ، فيكون ذلك على وجه المن عليهم بإنزال التوراة ، وقيل الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم ، فتكون " ما " عبارة عما علموه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال ( من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) فقال ( قل الله ) أي أنزله الله ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) أي ذرهم في باطلهم حال كونهم يلعبون : أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون . قوله ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) هذا من جملة الرد عليهم في قولهم ( ما أنزل الله على بشر من شئ ) أخبرهم بأن الله أنزل التوراة على موسى ، وعقبه بقوله ( وهذا كتاب أنزلناه ) يعني على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تقولون ( ما أنزل الله على بشر من شئ ) ومبارك ومصدق صفتان لكتاب ، والمبارك كثير البركة ، والمصدق كثير التصديق ، والذي بين يديه ما أنزله الله من الكتب على الأنبياء من قبله كالتوراة والإنجيل ، فإنه يوافقها في الدعوة إلى الله وإلى توحيده وإن خالفها في بعض الأحكام . قوله ( ولتنذر ) قيل هو معطوف على ما دل عليه مبارك كأنه قيل أنزلناه للبركات ولتنذر ، وخص أم القرى وهي مكة لكونها أعظم القرى شأنا ، ولكونها أول بيت وضع للناس ، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم ، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض والمراد بمن حولها جميع أهل الأرض ، والمراد بأنذر أم القرى : إنذار أهلها وأهل سائر الأرض فهو على تقدير مضاف محذوف كسؤال القرية ( والذين يؤمنون بالآخرة ) مبتدأ ، و ( يؤمنون به ) خبره ، والمعنى : أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ويعمل بما فيه ، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها ويندفع به ضرها ، وجملة ( وهم على صلاتهم يحافظون ) في محل نصب على الحال ، وخص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها . قوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله : أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شئ ، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام ، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أنه نبي وليس بنبي ، أو كذب على الله في شئ من الأشياء ( أو قال أوحى إلي ولم