الشوكاني
129
فتح القدير
ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها . قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان ، وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني " ونحو ذلك . قوله ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ) أي ما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شئ . وقيل المعنى : ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شئ : وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما سيأتي عند ذكر السبب : قيل وهذا الترخيص كان في أول الإسلام ، وكان الوقت وقت تقية ، ثم نزل قوله تعالى - وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره - فنسخ ذلك : قوله ( ولكن ذكرى لهم ) ، ذكرى في موضع نصب على المصدر ، أو رفع على أنها مبتدأ ، وخبرها محذوف : أي ولكن عليهم ذكرى . وقال الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى . والمعنى على الاستدراك من النفي السابق : أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز . أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما على التفسير الثاني فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير ( لعلهم يتقون ) الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم . وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جدا . قوله ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعبا ولهوا ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بإبلاغهم الحجة . وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال ، وقيل المعنى : أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعبا ولهوا كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها ، وقيل المراد بالدين هنا العيد : أي اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا ، وجملة ( وغرتهم الحياة الدنيا ) معطوفة على ( اتخذوا ) أي غرتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا - إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين - . قوله ( وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ) الضمير في ( به ) للقرآن أو للحساب . والإبسال : تسليم المرء نفسه للهلاك ، ومنه أبسلت ولدي : أي رهنته في الدم ، لأن عاقبة ذلك الهلاك . قال النابغة : ونحن رهنا بالإفاقة عامرا * بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا أي فهلك ، والدرداء : كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم ، فالمعنى : وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت : أي ترتهن وتسلم للهلكة ، وأصل الإبسال : المنع ، ومنه شجاع باسل : أي ممتنع من قرنه . قوله ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) العدل هنا : الفدية . والمعنى : وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك ، وفاعل ( يؤخذ ) ضمير يرجع إلى العدل ، لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله - ولا يؤخذ منها عدل - وقيل فاعله منها ، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل ، وكل عدل منصوب على المصدر : أي عدلا كل عدل ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا ، وحبره ( الذين أبسلوا بما كسبوا ) أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هم الذين سلمو للهلاك بما كسبوا ، و ( لهم شراب من حميم ) جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف حال هؤلاء ؟ فقيل لهم شراب من حميم ، وهو الماء الحار ، ومثله قوله تعالى - يصب من فوق رؤوسهم الحميم - وهو هنا شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم . قوله ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة ، والاستفهام للتوبيخ : أي