الشوكاني

130

فتح القدير

كيف ندعوا من دون الله أصناما لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن أردنا منها نفعا ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه ، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة ( ونرد على أعقابنا ) عطف على " ندعوا " . ولأعقاب ، جمع عقب : أي كيف ندعوا من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها . قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه . وقال المبرد : * تعقب بالشر بعد الخير * وأصله من المعاقبة والعقبى ، وهما ما كان تاليا للشيء واجبا له أن يتبعه ، ومنه - والعاقبة للمتقين - ، ومنه عقب الرجل ، ومنه العقوبة ، لأنها تالية للذنب . قوله ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) هوى يهوى إلى الشئ أسرع إليه . وقال الزجاج : هو من هوى النفس ، أي زين له الشيطان هواه ، و ( استهوته الشياطين ) هوت به ، والكاف في ( كالذي ) إما نعت مصدر محذوف : أي نرد على أعقابنا ردا كالذي ، أو في محل نصب على الحال من فاعل نرد : أي نرد حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين : أي ذهبت به مردة الجن بعد أن كان بين الإنس . قرأ الجمهور " أسهوته " وقرأ حمزة " استهواه " على تذكير الجمع . وقرأ ابن مسعود والحسن ( استهواه الشيطان ) وهو كذلك في قراءة أبي ، و ( حيران ) حال : أي حال كونه متحيرا تائها لا يدري كيف يصنع ؟ والحيران هو الذي لا يهتدى لجهة ، وقد حار يحار حيرة وحيرورة : إذا تردد ، وبه سمى الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا . قوله ( له أصحاب يدعونه إلى الهدى ) صفة لحيران أو حالية : أي له رفقة يدعونه إلى الهدى يقولون له ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدى بهديهم . قوله ( قل إن هدى الله هو الهدى ) أمره الله سبحانه بأن يقول لهم ( إن هدى الله ) أي دينه الذي ارتضاه لعباده ( هو الهدى ) وما عداه باطل - ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه - ( وأمرنا ) معطوف على الجملة الاسمية : أي من جملة ما أمره الله بأن يقوله ، واللام في ( لنسلم ) هي لام العلة ، والمعلل هو الأمر : أي أمرنا لأجل نسلم لرب العالمين . وقال الفراء : المعنى أمرنا بأن نسلم لأن العرب تقول أمرتك لتذهب ، وبأن تذهب بمعنى . وقال النحاس : سمعت ابن كيسان يقول هي لام الخفض . قوله ( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) معطوف على " لنسلم " على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا ، ويجوز أن يكون عطفا على يدعونه على المعنى : أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا ( وهو الذي إليه تحشرون ) فكيف تخالفون أمره ( وهو الذي خلق السماوات والأرض ) خلقا ( بالحق ) أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة . قوله ( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ) أي واذكر يوم يقول كن فيكون أو واتقوا يوم يقول كن فيكون ، وقيل هو عطف على الهاء في ( واتقوه ) وقيل إن " يوم " ظرف لمضمون جملة ( قوله الحق ) والمعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق : أي المشهود له بأنه حق ، وقيل قوله مبتدأ ، والحق صفة له ( ويوم يقول كن فيكون ) خبره مقدما عليه ، والمعنى : قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون ، وقيل إن قوله مرتفع بيكون ، والحق صفته : أي يوم يقول كن فيكون قوله الحق . وقرأ ابن عامر ( فنكون ) بالنون ، وهو إشارة إلى سرعة الحساب . وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب . قوله ( وله الملك يوم ينفخ في الصور ) الظرف منصوب بما قبله : أي له الملك في هذا اليوم ، وقيل هو بدل من اليوم الأول ، والصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء ، والثانية للإنشاء . وكذا قال الجوهري : إن الصور القرن ، قال الراجز : لقد نطحناهم غداة الجمعين * نطحا شديدا لا كنطح الصورين والصور بضم الصاد وبكسرها لغة . وحكى عن عمرو بن عبيد أنه قرأ ( يوم ينفخ في الصور ) بتحريك الواو ، جمع صورة ، والمراد : الخلق . قال أبو عبيدة : وهذا وإن كان محتملا يرد بما في الكتاب والسنة . وقال الفراء :