الشوكاني
114
فتح القدير
أي أسرع ، وقيل إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ، ومع عدم الاعتدال يميل ، فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين ، وقيل ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه ونحو ذلك . والجناح : أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء ، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي . والمعنى : ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها ( إلا أمم أمثالكم ) أي جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم ، ورزقهم كما رزقكم داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شئ ، وقيل ( أمثالنا ) في ذكر الله والدلالة عليه ، وقيل ( أمثالنا ) في كونهم محشورين ، روى ذلك عن أبي هريرة . وقال سفيان بن عيينة : أي مامن صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ، فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاوس ، وقيل ( أمثالكم ) في أن لها أسماء تعرف بها . وقال الزجاج ( أمثالكم ) في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص . والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان . قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) أي ما أغفلنا عنه ولا ضيعنا فيه من شئ . والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، فإن الله أثبت فيه جميع الحوادث ، وقيل إن المراد به القرآن : أي ما تركنا في القرآن من شئ من أمر الدين إما تفصيلا أو إجمالا ، ومثله قوله تعالى - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ - ، وقال - وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم - ، ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله - ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز ، بهذه الآية وبنحو قوله تعالى - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني - وبقوله - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - ، " ومن " في ( من شئ ) مزيدة للاستغراق . قوله ( ثم إلى ربهم يحشرون ) يعنى الأمم المذكورة ، وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم . وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء ، ومنهم أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم ، وذهب ابن عباس إلي أن حشرها موتها ، وبه قال الضحاك . والأول أرجح للآية ، ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ، ولقول الله تعالى - وإذا الوحوش حشرت - : وذهبت طائفة من العلماء إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار ، وما تخلل كلام معترض . قالوا : وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص . واستدلوا أيضا بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة . ولفظه " حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لم ركب على الحجر ؟ والعود لم خدش العود ؟ " قالوا : والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها . قوله ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ) أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم ، نزلهم منزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغي قبوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة . وقال أبو علي : يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة . قوله ( في الظلمات ) أي في ظلمات الكفر والجهل والحيرة لا يهتدون لشئ مما فيه صلاحهم . والمعنى : كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات وضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم ، فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغنى عن الإعادة ، ثم بين سبحانه أن الأمر بيده ما شاء يفعل ، من شاء تعالى أن يضله أضله ، ومن شاء أن يهديه جعله على صراط مستقيم لا يذهب به إلى غير الحق . ولا يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة . وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله ( إلا أمم أمثالكم )