الشوكاني
112
فتح القدير
لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين . قوله ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي أن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم ، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك فاقتد بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و - لكل أجل كتاب - إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا - ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - ولا مبدل لكلمات الله - بل وعده كائن وأنت منصور على المكذبين ، ظاهر عليهم . وقد كان ذلك ولله الحمد ( ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) ما جاءك من تجرى قومهم عليهم في الابتداء ، وتكذيبهم لهم ثم نصرهم عليهم في الانتهاء ، وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعا أو كرها . قوله ( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمه ويحزن له فبين له الله سبحانه أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له ، والإعراض عما دعا إليه هو كائن لا محالة لما سبق في علم الله عز وجل ، وليس في استطاعته وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك ، ثم علق ذلك بما هو محال ، فقال ( فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ) فتأتيهم بآية منه ( أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ) منها فافعل ، ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن - و - لا تذهب نفسك عليهم حسرات - وما أنت عليهم بمسيطر - والنفق : السرب والمنفذ ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع ، ومنه المنافق . وقد تقدم في البقرة ما يغنى عن الإعادة . والسلم : الدرج الذي يرتقى عليه ، وهو مذكر لا يؤنث ، وقال الفراء : إنه يؤنث . قال الزجاج : وهو مشتق من السلامة ، لأنه يسلك به إلى موضع الأمن ، وقيل إن الخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد به أمته ، لأنها كانت تضيق صدورهم بتمرد الكفرة وتصميمهم على كفرهم ولا يشعرون أن لله سبحانه في ذلك حكمة لا تبلغها العقول ولا تدركها الأفهام ، فإن الله سبحانه لو جاء لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى ، ولهذا قال ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) جمع إلجاء وقسر ، ولكنه لم يشأ ذلك ولله الحكمة البالغة ( فلا تكونن من الجاهلين ) فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل ولست منهم ، فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة فهو أعلم بما فيه المصلحة ، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها لكان إيمانهم بها اضطرارا ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) أي إنما يستجيب لك إلى ما تدعو إليه الذين يسمعون سماع تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام وهؤلاء ليسوا كذلك ، بل هو بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة وفى آذانهم من الوقر ، ولهذا قال ( والموتى يبعثهم الله ) شبههم بالأموات بجامع أنهم جميعا لا يفهمون الصواب ولا يعقلون الحق : أي أن هؤلاء لا يلجئهم الله إلى الإيمان وإن كان قادرا على ذلك كما يقدر على بعثة الموتى للحساب ( ثم إليه يرجعون ) إلى الجزاء فيجازى كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( قالوا يا حسرتنا ) قال : الحسرة الندامة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( يا حسرتنا ) قال : الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة ، فتلك الحسرة . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( ألا ساء ما يزرون ) قال : ما يعملون