الشوكاني

107

فتح القدير

سورة الأنعام الآية ( 24 - 30 ) قوله ( ويوم نحشرهم ) قرأ الجمهور بالنون في الفعلين . وقرئ بالياء فيهما . وناصب الظرف محذوف مقدر متأخرا : أي يوم نحشرهم كان كيت وكيت . والاستفهام في ( أين شركاؤكم ) للتقريع والتوبيخ للمشركين . وأضاف الشركاء إليهم . لأنها لم تكن شركاء لله في الحقيقة بل لما سموها شركاء أضيفت إليهم ، وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله أو يعبدونه مع الله . قوله ( الذين كنتم تزعمون ) أي تزعمونها شركاء ، فحذف المفعولان معا ، ووجه التوبيخ بهذا الاستفهام أن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال أو كانت حاضرة ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه . فكان وجودها كعدمها . قوله ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) قال الزجاج : تأويل هذه الآية أن الله عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حتى رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك . ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا . فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول : ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى . فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم : أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين ) وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم : أي لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري . فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذبا ، وجملة ( ثم لم تكن فتنتهم ) معطوفة على عامل الظرف المقدر كما مر والاستثناء مفرغ ، وقرئ فتنتهم بالرفع وبالنصب ، ويكن وتكن والوجه ظاهر . وقرئ ( وما كان فتنتهم ) وقرئ ( ربنا ) بالنصب على النداء ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي زال وذهب افتراؤهم وتلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله . هذا على أن ما مصدرية ، وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة : أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا ، وهذا تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حالهم المختلفة ودعواهم المتناقضة ، وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة لأنها دار لا يجرى فيها غير الصدق . فمعنى ( والله ربنا ما كنا مشركين ) نفى شركهم عند أنفسهم ، وفى اعتقادهم ويؤيد هذا قوله تعالى - ولا يكتمون الله حديثا - . قوله ( ومنهم من يستمع إليك ) هذا كلام مبتدأ لبيان