الشوكاني
108
فتح القدير
ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا ، والضمير عائد إلى الذين أشركوا : أي وبعض الذين أشركوا يستمع إليك حين تتلو القرآن ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم ، والأكنة : الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان ، كننت الشئ في كنه : إذا جعلته فيه ، وأكننته أخفيته ، وجملة ( جعلنا على قلوبهم أكنة ) مستأنفة للإخبار بمضمونها ، أو في محل نصب على الحال : أي وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوا القرآن ، أو لئلا يفقهوه ، والوقر : الصمم ، يقال وقرت أذنه تقر وقرا : أي صمت . وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا ) بكسر الواو : أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير ، وهو مقدار ما يطيق أن يحمله ، وذكر الأكنة والوقر تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه كأن قلوبهم لا تعقل وأسماعهم لا تدرك ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) أي لا يؤمنوا بشئ من الآيات التي يرونها من المعجزات ونحوها لعنادهم وتمردهم . قوله ( حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) حتى هنا هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل . وجملة يجادلونك في محل نصب على الحال ، والمعنى : أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان ، بل يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين ، وقيل حتى هي الجارة وما بعدها في محل جر ، والمعنى : حتى وقت مجيئهم مجادلين يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين ، وهذا غاية التكذيب ونهاية العناد . والأساطير قال الزجاج : واحدها أسطار . وقال الأخفش : أسطورة . وقال أبو عبيدة أسطارة . وقال النحاس : أسطور . وقال القشيري : اسطير . وقيل هو جمع لا واحد له كعباديد وأبابيل : والمعنى : ما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث . قال الجوهري : الأساطير الأباطيل والترهات . قوله ( وهم ينهون عنه وينئون عنه ) أي ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن أو بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبعدون هم في أنفسهم عنه . وقيل إنها نزلت في أبي طالب فإنه كان ينهى الكفار عن أذية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويبعد هو عن إجابته ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) أي ما يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأي إلا أنفسهم بتعريضها لعذاب الله وسخطه . والحال أنهم ما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم قوله ( ولو ترى إذ وقفوا على النار ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من تتأتى منه الرؤية ، وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكره علماء المعاني ، و ( وقفوا ) معناه حبسوا ، يقال وقفته وقفا ووقف وقوفا ، وقيل معنى ( وقفوا على النار ) أدخلوها فتكون على بمعنى في ، وقيل هي بمعنى الباء : أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها ، ومفعول ترى محذوف ، وجواب لو محذوف ليذهب السامع كل مذهب ، والتقدير : لو تراهم إذ وقفوا على النار لرأيت منظرا هائلا وحالا فظيعا ( فقالوا يا ليتنا نرد ) أي إلى الدنيا ( ولا نكذب بآيات ربنا ) أي التي جاءنا بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ونكون من المؤمنين ) بها العاملين بما فيها ، والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني : أي تمنوا الرد ، وأن لا يكذبوا ، وأن يكونوا من المؤمنين برفع الأفعال الثلاثة هي قراءة الكسائي وأهل المدينة وشعبة وابن كثير وأبي عمرو . وقرأ حفص وحمزة بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني ، واختار سيبويه القطع في ( ولا نكذب ) فيكون غير داخل في التمني ، والتقدير : ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب : أي لا نكذب رددنا أو لم نرد ، قال : وهو مثل دعني ولا أعود : أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني . واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله ( وإنهم لكاذبون ) لأن الكذب لا يكون في التمني . وقرأ ابن عامر ( ونكون ) بالنصب وأدخل الفعلين الأولين في التمني . وقرأ أبي ( ولا نكذب بآيات ربنا أبدا ) . وقرأ هو وابن مسعود ( يا ليتنا نرد فلا