الشيخ الأميني ( اعداد الشاهرودي )

58

بحث مستل من موسوعة الغدير للعلامة الأميني

روى ابن جرير الطبري بالإسناد : أنّ عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر ، فقال لهم عمرو : انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلّموا عليه بالخلافة فإنّه أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم . فلمّا قدموا عليه ، قال معاوية لحجّابه : إنّي كأنّي أعرف ابن النابغة ، وقد صغّر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشدّ تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلّا وقد همّته نفسه بالتلف . فكان أوّل من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له : ابن الخيّاط ؛ فدخل وقد تعتع ؛ فقال : السّلام عليك يا رسول اللّه ! فتتابع القوم على ذلك ؛ فلمّا خرجوا قال لهم عمرو : لعنكم اللّه ، نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنبوّة « 1 » . ولعلّ هذه الواقعة هي بذرة تلك النزعة الفاسدة الّتي كانت عند جمع ممّن تولّى معاوية بعد وفاته « 2 » . هب أنّ القوم أخذت منهم الرهبة مأخذه فلم يلتفتوا إلى ما يقولون ، لكن هذا الّذي يدّعي الخلافة عن رسول اللّه بملكه العضوض هلّا كان عليه أن يردعهم عن ذلك التسليم المحظور أو يسكّن روعتهم فيرجعوا إلى حقّ المقام ؟ ! لولا أنّ معاوية لم يكن له في مبّوئه ذلك ضالّة إلّا الحصول على الملوكيّة الغاشمة باسم الخلافة المغتصبة ! لأنّه لا يبلغ أمنيته إلّا بها ؛ فلا يبالي أسلّم عليه بالربوبيّة أو الرسالة أو إمرة المؤمنين . وقد حاول إرغام ابن النابغة فيما توسّمه منه في مقتبله ذلك ، فبلغ ما أراد ، فحالت نشوة الغلبة بينه وبين أن يجعل لأمره الإمر ، أو إمرته الخرقاء صورة محفوظة . يأنس ابن هند بذلك الخطاب الباطل ، ولم يشنّع على من يسلّم عليه

--> ( 1 ) - راجع تاريخ الطبري 6 : 184 [ 5 / 330 ، حوادث سنة 60 ه ] ؛ تاريخ ابن كثير 8 : 140 [ 8 / 149 ، حوادث سنة 60 ه ] . ( 2 ) - انظر أحسن التقاسيم لشمس الدين البناء المقدسي : 306 .