الشيخ الأميني ( اعداد الشاهرودي )

218

بحث مستل من موسوعة الغدير للعلامة الأميني

لماذا فعل به هذا ؟ ! ولماذا شتم على رؤوس الأشهاد ؟ ! ولماذا اخرج من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مهانا عنفا ؟ ! ولماذا ضرب به الأرض فدقّت أضالعه ؟ ! ولما بطشوا به بطش الجبّارين ؟ ! كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما امر به ، فألق مفاتيح بيت المال لمّا لم يجد من الكتاب والسنّة وهو العليم بهما مساغا لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها . ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى ؛ وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر . لماذا كان ذلك ؟ لأنّه دفن أبا ذرّ لمّا حضر موته في حجّته . وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميّتا كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان . وجد صحابيّا عظيما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقرّبه ويدنيه قد فارق الدنيا . وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة . وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثّل أمام عينيه تلك الصورة المكبّرة الّتي كان يشاهدها على العهد النبويّ . وجد شبيه عيسى بن مريم في الامّة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام . وجد عزيزا من أعزّاء الصحابة على اللّه ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوما مضطهدا . وجد في قارعة الطريق جثمان طيّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس ، وتسفي عليه الرياح ، وذكر قول رسول اللّه : « رحم اللّه أبا ذرّ يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويحشر وحده » . فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلّ مسلم ، فضلا عن أبي ذرّ الّذي بشّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذرّ ، فحسب ذلك الواجب الّذي ناء