الشيخ الأميني
451
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
وأعطف على هذا أمره عمرو بن العاص بأن يبعث ولده على قتب في عباءة ، فدخل عليه ولم يستطع المشي من مركبه ، فإنّ كلّ ذلك إيذاء درأه الحدّ ولم يبحه الشرع . ثمّ لماذا لم يكن له مرتدع عن تأجيل ما ارتآه من الحدّ الجديد بمرضه ولم يرجئه حتى يبرأ ؟ وهو حكم المريض المحدود في السنّة الشريفة . وإن تعجب بعد ذلك كلّه فعجب قول ابن الجوزي في سيرة عمر « 1 » ؛ من أنّه لا ينبغي أن يظنّ بعبد الرحمن بن عمر أنّه شرب الخمر ، وإنّما شرب النبيذ متأوّلا وظنّ أنّ ما شرب منه لا يسكر ، وكذلك أبو سروعة ، وأبو سروعة من أهل بدر ، فلمّا خرج بهما الأمر إلى السكر طلبا التطهير بالحدّ ، وقد كان يكفيهما مجرّد الندم على التفريط غير أنّهما غضبا للّه سبحانه على أنفسهما المفرّطة فأسلماها إلى إقامة الحدّ ، وأمّا كون عمر أعاد الضرب على ولده فليس ذلك حدّا وإنّما ضربه غضبا وتأديبا وإلّا فالحدّ لا يكرّر . انتهى بلفظه . وإن صحّت هذه المزعمة يوجّه النقد إلى عمرو وعمر إن علما ذلك وإلى نفس المحدودين ، حيث عرضا أنفسهما على الحدّ من دون أي موجب له ، وكان يكفيهما الندم كما حسبه ابن الجوزي ، والحقّ أنّه لا حاجة إليه أيضا لأنّهما لم يقترفا ذنبا بعد اعتقاد أنّه لا يسكر فلا توبة عنه ، وإن كان كامل الإيمان يتضجّر عن مثله . وعلى هذا فإنّهما لا يملكان لأنفسهما أن يعرضاها على هذا الإيلام الشديد والإضرار المؤلم إن لم يكن ذلك تشريعا . لكن من أين أتت ابن الجوزي هذه الرؤيا الصادقة ؟ فأراد تبرئة الرجلين ممّا اجترحاه من السيّئة مع اعترافهما بذلك بكلّ صراحة ، فألقاهما في هوّة الإضرار بالنفس المحظور شرعا ، والتشرّع في الدين المحرّم ، والكذب الصراح الذي هو من الكبائر ، وألحق بمن أقام الحدّ أوّلا تبعة إقامته من دون موجب له ، والغضب
--> ( 1 ) تاريخ عمر بن الخطّاب : ص 215 .