الشيخ الأميني
84
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
كاذب ، أو أنّ المال لزيد ، وقد تحصّل - للحاكم - بالحجّة لعمرو ، أو ما أشبه ذلك ، فلا يصحّ له العمل على وفق ذلك ما لم يتعيّن سبب ظاهر ، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمّم ، ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لذي يد على حال ، فإنّ الظواهر قد تعيّن فيها بحكم الشريعة أمر آخر ، فلا يتركها اعتمادا على مجرّد المكاشفة أو الفراسة ، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النوميّة ، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها وإن ترتّبت في الظاهر موجباتها ، وهذا غير صحيح بحال فكذا ما نحن فيه ، وقد جاء في الصحيح « 1 » : « إنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأحكم له على نحو ما أسمع منه . . . » . فقيّد الحكم بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك . وقد كان كثير من الأحكام التي تجري على يديه يطّلع على أصلها وما فيها من حقّ وباطل ، ولكنّه - عليه الصلاة والسّلام - لم يحكم إلّا على وفق ما سمع ، لا على وفق ما علم « 2 » ، وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم بعلمه ، وقد ذهب مالك في القول المشهور عنه : إنّ الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر يعلم خلافه ، وجب عليه الحكم بشهادتهم إذا لم يعلم تعمّد الكذب ، لأنّه إذا لم يحكم بشهادتهم كان حاكما بعلمه ، هذا مع كون علم الحاكم مستفادا من العادات التي لا ريبة فيها لا من الخوارق التي تداخلها أمور ، والقائل / بصحّة حكم الحاكم بعلمه فذلك بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من الخوارق ، ولذلك لم يعتبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو الحجّة العظمى - إلى أن قال « 3 » في ( ص 187 ) - : إنّ فتح هذا الباب يؤدّي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر ، فإنّ من وجب عليه
--> ( 1 ) صحيح البخاري : 2 / 952 ح 2534 . صحيح مسلم : 3 / 548 ح 4 كتاب الأقضية . ( 2 ) قال السيّد محمد الخضر الحسين التونسي في تعليق الموافقات : لا يقضي - عليه الصلاة والسّلام - بمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر عليه السّلام ، حتى يكون للأمّة في أخذه بالظاهر أسوة حسنة - إلى أن قال - : والحكم بالظاهر ، وإن لم يكن مطابقا للواقع ، ليس بخطأ لأنّه حكم بما أمر اللّه . ( المؤلّف ) ( 3 ) الموافقات في أصول الأحكام : 2 / 271 .