الشيخ الأميني

139

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

وهذا واضح من سيرة المسلمين الأوّلين . . . إلى آخر خرافاته ومخاريقه . لعلّ القارئ يزعم من شدّة الرجل هذه وحدّته في النكير ، والجلبة واللغط في القول - التي هي شنشنة يعرف بها ابن تيميّة شيخ البدع والضلال والمرجع الوحيد في هذه الخزايات والخزعبلات - أنّ لكلامه مقيلا من الحقيقة ورمزا من الصدق ، ذاهلا عن أنّ أعلام المذاهب الإسلاميّة في القرون الخالية ، منذ القرن الثامن من يوم ابن تيميّة ، وبعده يوم محمد بن عبد الوهاب الذي أعاد لتلكم الدوارس جدّتها وحتى العصر الحاضر ، أنكروا على هذه السفسطات والسفاسف وحكموا بكفر من ذهب إلى هذه الآراء / المضلّة والمعتقدات الشاذّة عن سيرة المسلمين ، وشنّوا عليه الغارة وبالغوا في الردّ عليه . والقارئ جدّ عليم بأنّ هذه اللهجة القارصة ليست من شأن من أسلم وجهه للّه وهو محسن ، وآمن بالنبيّ الطاهر ، واعتنق بما جاء به من كتاب وسنّة ، ولا تسوّغها مكارم الأخلاق ومبادئ الإنسانيّة ، ولا يحبّذها أدب الإسلام المقدّس ؛ أيجوز لمسلم أن يسوّي بين مشاهدة الأحجار وبين رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حال حياته ؟ أيسوغ له أن لا يرى لزيارته حيّا وميّتا قيمة ولا كرامة ، ولا يعتبر لها فضلا ما ، وينعق بذلك في الملأ الديني ؟ أليس من السيرة المطّردة بين البشر أنّ كلّ ملّة من الملل تستعظم زيارة كبرائها وزعمائها ، وتراها فضلا وشرفا وتعدّها للزائر مفخرة ومحمدة ، وتكثر إليها رغبات أفرادها لما يرون فيها من الكرامة ، وقد جرت على هذه سيرة العقلاء من الملل والنحل ، وعليه تصافقت الأجيال في أدوار الدنيا ، وكان يقدّر الناس - سلفا وخلفا - أعلام الدين بالزيارة والتبرّك بهم ، قال أبو حاتم : كان أبو مسهر عبد الأعلى الدمشقي الغسّاني المتوفّى ( 218 ) إذا خرج إلى المسجد اصطفّ الناس يسلّمون عليه ويقبّلون يده « 1 » .

--> ( 1 ) تاريخ الخطيب البغدادي : 11 / 73 [ رقم 5750 ] . ( المؤلّف )