السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
42
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
يخترق الحجب ببصيرته النافذة ، وينتزع من آياته معاني الإنسانيّة الرفيعة ، ويركزها في الأفهام ببيان أبلغ من كلّ بيان . ومن صفاته ذاك المرأى الرهيب ، والوقار العجيب ، تلك الهيبة التي يتضاءل أمامها الكبراء والعظماء ، فما رآه متكبّر متعاظم إلّا تجرّد من جبروته ، وطأطأ رأسه خجلا من نفسه ، فالذئب حمل بين يديه ، والأسد نعامة إذا نظر إليه . ومن صفاته أنّ المنابر الدينيّة في هذا العصر ما عرفت خطيبا مبرّزا أعظم منه ، كانت صيحاته تهزّ النفوس ، وموعظته تقشعرّ منها الجلود ، وتلين لها القلوب . ومن صفاته أنّه عارك الحياة وعاركته ، فما من أحد أزلّته الخطوب وذاق من مرارتها أكثر ممّا ذاق ، فكانت حياته تنتقل من نائبة إلى نائبة أشدّ وأقوى ، خاض في خضم الحياة ، ورافق الأحداث ، وأثّر فيها ، وأثّرت فيه ، كافح وناضل ، وتحمّل من إيذائها ألوانا وأشكالا من الآلام والمصائب ، فتلقّاها صابرا محتسبا مبتغيا عند اللّه من الرحمة والرضوان . هذه بعض صفاته لا كلّها . وخلاصتها : أنّه أعطى اللّه بعض حقّه من طاعته وعبادته ، وأعطى العلم حقّه في نشره وإذاعته ، وأعطى الدين حقّه في إعلاء كلمته ، وأعطى المجتمع حقّه من جهاده وتضحيته ، وأعطى الدولة حقّها من إرشاده ونصيحته . وبهذه الصفات سيبقى السيّد حيّا يعيش مع المجاهدين . ولعلّ قائلا يقول : لماذا لم تذكر - وأنت تعدّد وتردّد صفات السيّد - أنّ من صفاته تفقّد الفقراء ، وزيارة المساكين في بيوتهم ، مع استنكافه عن زيارة الملوك والحاكمين ، على الرغم من الإغراء والإلحاح . قلت في جوابه : إنّ هذا الرفض والاستنكاف إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عظمة الشعوب ، وقوّة الرأي العام ، وأنّ السيّد لم يفعل أكثر من إعطاء الدليل ، على أنّ أرباب التيجان والعروش لا يستأهلون التكريم ، فليسوا بشيء ما دامت ميولهم