السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

كلمة حول الرؤية 18

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

فلو كانت الرؤية جائزة لم يكن التماسها عتوّا ولا استكبارا ، ولا سيّما إذا كانت ، كما يقول مجوّزها : إنّها أعظم شيء ينعم اللّه به على عباده ، وألذّ أنواع النعيم . واستدلّ بعض أعلام المعتزلة « 1 » على امتناع الرؤية بأنّها لو كانت جائزة ، لكان ملتمسوها من موسى كالقائلين له : « يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها » « 2 » ، فإنّ هؤلاء لم تأخذهم الصاعقة ، ولا ما هو دونها ، بل لم يكن عليهم بسؤالهم هذا من بأس . وبالجملة ، فإنّ استعظام اللّه تعالى طلب رؤيته ، وإنكاره على طالبيها ، وإنزاله الصاعقة عليهم ممّا يؤيّد حكم العقل بامتناع رؤيته عزّ وجلّ . وللإمام فخر الدين الرازي هنا جواب كان الأولى أن يربأ بإمامته عنه ؛ إذ قال : الجواب عن ذلك يحتمل وجوها : أحدها : أنّ رؤية اللّه لا تحصل إلّا في الآخرة ، فكان طلبها في الدنيا مستنكرا « 3 » . قلت : لو سلّم الأشاعرة لفخرهم أنّ رؤية اللّه لا تحصل إلّا في الآخرة ، لا يسلّمون له بأنّ طلبها في الدنيا مستنكر ، وإنّما يكون مجرّد جهل لا يتكوّن به ذنب ليسمّى ظلما واستكبارا وعتوّا ، ولا يوجب عقوبة بصاعقة أو بشيء مّا من العذاب . قال : ثانيها : أنّ حكم اللّه تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى اللّه ، فكان طلب الرؤية طلبا لإزالة التكليف « 4 » . قلت : في أيّ آية من الكتاب أو سنّة من السنن يوجد هذا الحكم ؟ ومن ذا الذي أخبر به ؟ وهل التلفيق إلّا هذا ؟

--> ( 1 ) - . المراد ببعض الأعلام هو القاضي عبدالجبّار ، كما نقله عنه الفخر الرازي في تفسيره الكبير 2 الجزء الثالث : 91 ، ذيل الآية 55 من سورة البقرة ( 2 ) . ( 2 ) - . البقرة 61 : 2 . ( 3 ) - و 4 . التفسير الكبير 2 الجزء الثالث : 92 ، ذيل الآية . ( 4 ) -