السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

فلسفة الميثاق والولاية 27

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

مضمري العداوة والبغضاء ، ومن كان على شاكلتهم من ضواري الفتنة ، وطواغي الغيّ ، وسباع الغارة ، وأعداء الحقّ ، وقد قويت بفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شوكتهم ؛ إذ صار المسلمون بعده صلى الله عليه وآله وسلم كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، بين ذئاب عادية ، ووحوش ضارية . ومسيلمة الكذّاب ، وطليحة بن خويلد الدجّال ، وسجاح بنت الحرت الأفّاكة ، وأصحابهم ، قائمون في محق الإسلام وسحق المسلمين على ساق ، والرومان والأكاسرة ، وغيرهما من ملوك الأرض ، كانوا للمسلمين بالمرصاد . إلى كثير من هذه العناصر الجيّاشة بكلّ حنق من محمّد وآله وأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبكلّ حقد وحسيكة لكلمة الإسلام ، تريد أن تنقض أساسها ، وتستأصل شأفتها ، وإنّها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجّلة ، ترى أنّ الأمر قد استتبّ لها ، وأنّ الفرصة بفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد حانت ، فأرادت أن تسخّر تلك الفرصة ، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الإسلام إلى قوّة وانتظام . فوقف أمير المؤمنين بين هذين الخطرين ، فكان من الطبيعي له أن يضحّي حقّه قربانا لدين الإسلام ، وإيثارا للصالح العامّ ، لذلك قعد في بيته فلم يبايع حتّى أخرجوه كرها ، احتفاظا بحقّه ، واحتجاجا على المستأثرين به ، وعلى أوليائهم . ولو أسرع إلى البيعة ، ما قامت له حجّة ، ولا سطع لأوليائه برهان ؛ لكنّه جمع فيما فعل بين حفظ الدين ، والاحتفاظ بحقّه في إمرة المؤمنين ، فدلّ هذا على أصالة رأيه ، ورجاحة حلمه ، وسعة صدره ، وإيثارا لمصلحة العامّة بحكمته البالغة . ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر العظيم ، ينزل من اللّه تعالى بغاية منازل الدين ، وإنّما كانت غايته ممّا فعل أربح الحالتين له ، وأعود المقصدين عليه بالثواب ، والقرب من ربّ الأرباب .