السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
155
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
فإذا جاء المشركون إلى المدينة ، ورأوا رسول اللّه بهرهم صلى الله عليه وآله وسلم بأخلاقه وقدسيّ سيرته ، وعظم في أنفسهم أمره ، هديا ورأيا وسمتا ونعتا ، وقولا وفعلا ، وراقهم الإسلام بشرائعه وأحكامه ، من حلاله وحرامه ، وعباداته ومعاملاته ، وسائر نظمه ، وبالغ حكمه ، وملكهم القرآن بآياته وبيّناته ، فأخذ بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، وأدهشهم أصحاب رسول اللّه بتعبّدهم بأوامره وزواجره ، فإذا هؤلاء على مقربة من الإيمان ، بعد أن كانوا قبل صلح الحديبية في منتهى العمة والطغيان ، وإذا هم يرجعون إلى أهليهم كمبشّرين بمحمّد ومنذرين بفتحه . وإذا أتى المسلمون مكّة وخلوا بأرحامهم وأصدقائهم لا يألونهم نصحا ودعاية إلى اللّه ورسوله بما يوقفونهم عليه من أعلام النبوّة وآيات الإسلام ، وما في القرآن الحكيم من علم وحكمة ، ونظم اجتماعيّة ، وسنن وفرائض ، وآداب وأخلاق ، ومواعظ وعبر ، وأخبار الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، فإذا هؤلاء أيضا مبشّرون - ببطن مكّة - ومنذرون ، وقد كان لعملهم هذا أثره العظيم في تسهيل أمر الفتح ، بلا قتال ولا ممانعة ، والحمد للّه . وهناك من فوائد الصلح ما حصل بمجرّد اجتماع المشركين مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية ، ووقوفهم على هديه وخلقه بإمعان ، وكان أكثر قريش - إذ ذاك - لا يعرفون منهما شيئا ، ولا سيّما شبابهم ؛ إذ كان أبو جهل والوليد وأبو سفيان وشيبة وعتبة وأمثالهم من مشيخة الأوثان والجاهليّة ، أرجفوا برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وتسنّى لهم تسميم الرأي العامّ الجاهلي فيه ، وقد أجلبوا عليه بكلّ ما لديهم من حول وطول ، وبكلّ ما يستطيعونه من فعل وقول ل - « يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ » « 1 » . قصدوه وهو في دار هجرته محاربين ؛ ليقتلوه وأصحابه ؛ وليستأصلوا شأفة الذين آووه ونصروه بغيا وعدوانا ، فنصره اللّه عليهم في بدر واحد والأحزاب « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » « 2 » .
--> ( 1 ) - . التوبة 32 : 9 . ( 2 ) - . الأنعام 45 : 6 .