السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

156

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

لكن ظلّ أهل مكّة - بعد هذه الحروب - على ضلال رأيهم المسموم في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إذ لم تره أعينهم بعد الهجرة ، ولم يبلغهم عنه إلّا ما سمعوه من أولئك المرجفين ، فلمّا كان يوم الحديبية ، واختلطوا به وبأصحابه ، رأوا منه خلقا عظيما . كانوا كلّما تبغّضوا إليه بجفاء وسوء صنع ، تحبّب إليهم بحنوّ وعاطفة وحسن صنع ، فإذا قسوا وأغلظوا له ، لان وخفض لهم جناح الرحمة - مستمرّا معهم على هذه الحال - يقابل إساءتهم بالبقيا عليهم ، والإحسان إليهم ، عملا بقوله تعالى : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » « 1 » . كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ قادرا على دخول مكّة وزيارة البيت عنوة ، بدليل قوله تعالى في هذه الواقعة : « وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » « 2 » . وقوله فيها أيضا - عزّ من قائل - : « وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ » « 3 » . وكان المشركون على يقين من ظفره عليهم لو قاتلهم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد علموا بإصرار أصحابه عليه في القتال ، وأ نّه أبى عليهم ذلك كلّ الإباء ؛ إيثارا للسلم وحسن عواقبه ؛ وحقنا للدماء ؛ واحتراما للحرم ؛ واحتياطا على حرماته . وأدركت قريش إشفاقه عليها ، ورعايته لحقوقها الرحميّة منه ، وأ نّه لذلك - قبل المهادنة على ما فيها من الشروط القاسية - لم تأخذه الأنفة من صدّهم إيّاه عن المسجد الحرام ، وإرجاعه - على حافرته بأصحابه رغما لكثير منهم - إلى المدينة . وهذا ما كان في نظر قريش كفّارة له عمّا كان في بدر واحد والأحزاب ؛ إذ تجلّى يومئذ لهم - بكفّه عن قتالهم - أنّه غير مسؤول عن شيء من ذلك ، وإنّما المسؤول عن

--> ( 1 ) - . فصّلت 34 : 41 - 35 . ( 2 ) - . الفتح 22 : 48 . ( 3 ) - . الفتح 24 : 48 .