السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

435

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

فأبرموا البيعة وأحكموا العقد ، وأجمعوا - أخذا بالحزم - على منع كلّ قول أو فعل يوهن بيعتهم ، أو يخدش عقدهم ، أو يدخل التشويش والاضطراب على عامّتهم ، فأين كان الإمام عن السقيفة وعن بيعة الصدّيق ومبايعيه ليحتجّ عليهم ؟ وأنّى يتسنّى الاحتجاج له أو لغيره بعد عقد البيعة وقد أخذ أولو الأمر والنهي بالحزم ، وأعلن أولو الحول والطول تلك الشدّة ؟ وهل يتسنّى في عصرنا الحاضر لأحد أن يقابل أهل السلطة بما يرفع سلطتهم ، ويلغي دولتهم ؟ وهل يتركونه وشأنه لو أراد ذلك ؟ هيهات هيهات ، فقس الماضي على الحاضر ، فالناس ناس والزمان زمان . على أنّ عليّا لم ير للاحتجاج عليهم يومئذ أثرا إلّا الفتنة التي كان يؤثر ضياع حقّه على حصولها في تلك الظروف ، إذ كان يخشى منها على بيضة الإسلام وكلمة التوحيد ، كما أوضحناه سابقا ، حيث قلنا : إنّه مني في تلك الأيّام بما لم يمن به أحد إذ مثل على جناحيه خطبان فادحان الخلافة بنصوصها ووصاياها إلى جانب تستصرخه وتستفزّه بشكوى تدمي الفؤاد ، وحنين يفتّت الأكباد ، والفتن الطاغية إلى جانب آخر تنذره بانتقاص شبه الجزيرة ، وانقلاب العرب ، واجتياح الإسلام ، وتهدّده بالمنافقين من أهل المدينة ، وقد مردوا على النفاق ، وبمن حولهم من الأعراب ، وهم منافقون بنصّ الكتاب ، بل هم أشدّ كفرا ونفاقا ، وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وقد قويت شوكتهم بفقده صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصبح المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، بين ذئاب عادية ، ووحوش ضارية ، ومسيلمة الكذّاب ، وطليحة بن خويلد الأفّاك ، وسجاح بنت الحرث الدجّالة ، وأصحابهم الرعاع الهمج ، قائمون في محق الإسلام وسحق المسلمين على ساق ، والرومان والأكاسرة والقياصرة وغيرهم كانوا للمسلمين بالمرصاد ، إلى كثير من هذه العناصر الجيّاشة بكلّ حنق من محمّد وآله وأصحابه ، وبكلّ حقد وحسيكة لكلمة الإسلام ، تريد أن تنقض أساسها وتستأصل شأفتها ، وإنّها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجّلة ، ترى الأمر قد استتبّ لها ، والفرصة - بذهاب النبيّ إلى الرفيق الأعلى - قد حانت ، فأرادت أن تسخر الفرصة ، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن