السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

388

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

احتياطا على الامّة ، واحتفاظا بالشوكة ، فكانوا يتحرّون للقائمين بأمور المسلمين وجوه النصح وهم من استئثارهم بحقّهم على أمرّ من العلقم ، ويتوخّون لهم مناهج الرشد ، وهم من تبوّئهم عرشهم على آلم للقلب من حزّ الشفار ؛ تنفيذا للعهد ، ووفاء بالوعد ، وقياما بالواجب شرعا وعقلا من تقديم الأهمّ - في مقام التعارض - على المهمّ ، ولذا محض أمير المؤمنين عليه السلام كلّا من الخلفاء الثلاثة نصحه ، واجتهد لهم في المشورة . ومن تتبّع سيرته في أيّامهم ، علم أنّه بعد أن يئس من حقّه في الخلافة عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل ، شقّ بنفسه طريق الموادعة ، وآثر مسالمة القائمين بالأمر ، فكان يرى عرشه المعهود به إليه في قبضتهم ، فلم يحاربهم عليه ، ولم يدافعهم عنه ؛ احتفاظا بالامّة ، واحتياطا على الملّة ، وضنّا بالدين ، وإيثارا للآجلة على العاجلة . وقد مني بما لم يمن به غيره حيث مثل على جناحيه خطبان فادحان : الخلافة بنصوصها وعهودها إلى جانب تستصرخه وتستفزّه إليها بصوت يدمي الفؤاد ، وأنين يفتّت الأكباد ؛ والفتن الطاغية إلى جانب آخر تنذره بانتفاض الجزيرة ، وانقلاب العرب ، واجتياح الإسلام ، وتهدّده بالمنافقين من أهل المدينة ، وقد مردوا على النفاق ، وبمن حولهم من الأعراب ، وهم منافقون بنصِّ الكتاب ، بل هم أشدّ كفرا ونفاقا ، وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وقد قويت بفقده صلى الله عليه وآله وسلم شوكتهم ، إذ صار المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، وبين ذئاب عادية ووحوش ضارية ، ومسيلمة الكذّاب ، وطليحة بن خويلد الأفّاك ، وسجاح بنت الحرث الدجّالة ، وأصحابهم قائمون في محق الإسلام وسحق المسلمين على ساق ، والرومان والأكاسرة وغيرهما كانوا بالمرصاد ، إلى كثير من هذه العناصر الجيّاشة بكلّ حنق من محمّد وآله وأصحابه ، وبكلّ حقد وحسيكة لكلمة الإسلام تريد أن تنقض أساسها ، وتستأصل شأفتها ، وإنّها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجّلة ، ترى أنّ الأمر قد استتبّ لها ، وأنّ الفرصة بذهاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى قد حانت ، فأرادت أن تسخّر الفرصة ، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الإسلام إلى قوّة وانتظام .