الجاحظ
52
المحاسن والأضداد
على رأيه دون المشورة ، الشعبي ، فإنه خرج مع ابن الأشعث ، فقدم به على الحجاج ؛ فلقيه يزيد بن أبي مسلم ، كاتب الحجاج ، فقال له : « أشر عليّ » فقال : « لا أدري بما أشير ، ولكن اعتذر بما قدرت عليه » . وأشار بذلك عليه كافة أصحابه ، قال الشعبي : فلما دخلت خالفت مشورتهم ، ورأيت واللّه غير الذي قالوا ، فسلمت عليه بالأمرة ، ثم قلت : « أيد اللّه الأمير ، إن الناس قد أمروني أن اعتذر بغير ما يعلم اللّه أنه الحق ، ولك اللّه أن لا أقول في مقامي هذا إلّا الحق ، قد جهدنا وحرضنا ، فما كنا بالأقوياء الفجرة ، ولا الأتقياء البررة ، ولقد نصرك اللّه علينا ، وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا ، وإن عفوت فبحلمك ، والحجة لك علينا » . فقال الحجاج : « أنت واللّه أحب إلينا قولا ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ويقول : واللّه ما فعلت ولا شهدت ، أنت آمن يا شعبي » . فقلت : « أيها الأمير اكتحلت واللّه بعدك ، السهر ، واستجلست الخوف ، وقطعت صالح الأخوان ، ولم أجد من الأمير خلفا » . قال : « صدقت » ، وانصرفت .