الجاحظ

46

المحاسن والأضداد

ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى * من السّرّ ما يطوي عليه ضميرها فما يحفظ المكتوم من سرّ أهله * إذا عقد الأسرار ضاع كثيرها من القوم إلّا ذو عفاف يعينه * على ذاك منه صدق نفس وخيرها قال معاوية بن أبي سفيان : « أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال : كان رجلا ظهرة « 1 » علنة لا يكتم سرا ، وكنت كتوما لسري ، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة ، وكنت أبادر إلى ذلك ، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافا ، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافا ، وكنت أحب إلى قريش منه ، فنلت ما شئت فلله من جامع إليّ ، ومفرق عنه » . وكان يقال : « لكاتم سره من كتمانه إحدى فضيلتين : الظفر بحاجته والسلامة من شره ، فمن أحسن فليحمد اللّه وله المنة عليه ، ومن أساء فليستغفر اللّه » . وقال بعضهم : « كتمانك سرك يعقبك السلامة ، وإفشاؤك سرك يعقبك الندامة ، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه » . وقال بعضهم : « ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه ، ويمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه ؛ ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومنّ إلّا نفسه إن لم يستقم له » . وقال معاوية : « ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم ، وشدة الأسف ، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي ، إلّا أكسبني مجدا وذكرا ، وسناء ورفعة » . فقيل : « ولا ابن العاص » . قال : « ولا ابن العاص » . وكان يقول : « ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من كتم سره كانت الخيرة في يده ، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن ؛ وضع أمر أخيك على أحسنه ، ولا تظنّ بكلمة خرجت منه سواء ما كنت واجدا لها في الخير مذهبا ، وما كفأت من عصى اللّه فيك بأفضل من أن تطيع اللّه جل اسمه فيه ، وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء ، وعصمة عند البلاء » .

--> ( 1 ) ظهرة : يظهر ما يضمر .