الجاحظ

47

المحاسن والأضداد

وحدث إبراهيم بن عيسى قال : ذاكرت المنصور ، ذات يوم ، في أبي مسلم ، وصونه السر ، وكتمه حتى فعل ما فعل ، فأنشد : تقسّمني أمران لم أفتتحهما * بحزم ولم تعركهما لي الكراكر وما ساور الأحشاء مثل دفينة * من الهمّ ردّتها إليك المعاذر وقد علمت أفناء عدنان أنّني * على مثلها مقدامة متجاسر وقال آخر : صن السّرّ بالكتمان يرضك غبّه * فقد يظهر السّرّ المضيع فيندم ولا تفشين سرّا إلى غير أهله * فيظهر خرق الشّرّ من حيث يكتم وما زلت في الكتمان حتّى كأنّني * برجع جواب السّائلي عنه أعجم لنسلم من قول الوشاة وتسلمي * سلمت وهل حيّ على الدّهر يسلم وقال آخر : أمنّي تخاف انتشار الحديث * وحظّي في ستره أوفر ولو لم أصنه لبقيا عليك * نظرت لنفسي كما تنظر وقال أبو نواس : لا تفش اسرارك للنّاس * وداو أحزانك بالكاس فإنّ إبليس على ما به * أرأف بالنّاس من النّاس وقال المبرد « 1 » : أحسن ما سمعت في حفظ اللسان والسر ما روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : لعمرك إنّ وشاة الرّجا * ل لا يتركون أديما صحيحا فلا تبد سرّك إلّا إليك * فإن لكلّ نصيح نصيحا

--> ( 1 ) المبرد هو محمد بن يزيد الأزدي . عالم في اللغة والأدب والأخبار . ولد في البصرة ورحل إلى بغداد وتوفي سنة 286 ه . أهم كتبه الكامل .