الجاحظ
45
المحاسن والأضداد
محاسن كتمان السر قال : كان المنصور يقول : « الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلّا ثلاثا : إفشاء السر ، والتعرض للحرم ، والقدح في الملك » . وكان يقول : « سرك من دمك فانظر من تملّكه » . وكان يقول : « سرك لا تطلع عليه غيرك ، وإن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم » . وقيل لأبي مسلم : « بأي شيء أدركت هذا الأمر » ؟ قال : « ارتديت بالكتمان ، واتزرت بالحزم ، وحالفت الصبر ، وساعدت المقادير ، فأدركت طلبتي ، وحزت بغيتي ؛ وأنشد في ذلك : أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت * عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا ما زلت أسعى عليهم في ديارهم * والقوم في ملكهم بالشّام قد رقدوا حتّى ضربتهم بالسّيف فانتبهوا * من نومة لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى غنما في أرض مسبعة * ونام عنها تولّى رعيها الأسد قال : وقا عبد الملك بن مروان للشعبي ، لما دخل عليه : « جنبني خصالا أربعا : لا تطريني في وجهي ، ولا تجرّين عليّ كذبة ، ولا تغتابنّ عندي أحدا ، ولا تفشينّ لي سرا » ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( استعينوا على إنجاح حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود ) . وأنشد اليزيدي في ذلك : النّجم أقرب من سرّ إذا اشتملت * مني على السّرّ أضلاع وأحشاء وقال غيره :