الجاحظ
34
المحاسن والأضداد
شرطة الكوفة ، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز ، فكتب إليه : « إنّ من حفظ أنعم اللّه ؛ رعاية ذوي الاحسان ؛ ومن إظهار شكر الموهوب ، صفح القادر عن الذنب ، ومن تمام السؤدد حفظ الودائع ، واستتمام الصنائع . وقد كنت أودعت العريان نعمة من أنعمك ، فسلبتها عجلة سخطك ، وأنصفته غضبته ، على أن ولّيته ثم عزلته وخليّته ، وأنا شفيعه ؛ فأحبّ أن تجعل له من قلبك نصيبه ، ولا تخرجه من حسن رأيك ، فتضيع ما أودعته وتتوى ما أفسدته » . فعفا عنه ، وردّه إلى عمله . قال : وغضب سليمان بن عبد الملك على ابن عبيد مولاه ، فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك ، فكتب إليه : « أما بعد ، فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عما تقتضيه رعيته ، وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسيئين » ، فرضي عنه . قال : وطلب العتابي « 2 » من رجل حاجة ، فقضى له بعضها ، ومطله ببعض . فكتب إليه : « أما بعد ، فقد تركتني منتظرا لوعدك ، منتجزا لرفدك . وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة . أو لا ، مريحة ؛ والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل . وقد قلت بيتي شعر : بسطت لساني ثم أوثقت نصفه * فنصف لساني بامتداحك مطلق فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني * وباقي لسان الشّكر بالناس موثق » قال : وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بين ضبّة ، يستشفع له بالزيادة في منزلته ، وجعل كتابه تعريضا : « أما بعد ، فقد استشفع بي فلان ، يا أمير المؤمنين ، لتطولك عليّ ، في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به ؛ وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين ، وفي ابتدائه بذلك تعدّي طاعته . والسلام » . فكتب إليه
--> ( 2 ) العتابي ، كلثوم بن عمرو بن أيوب التغلبي ، كاتب شاعر شامي الأصل سكن بغداد ومدح الرشيد واتصل بالبرامكة وحظي عندهم واتهم بالزندقة . من كتبه : فنون الحكم ، الألفاظ ، توفي سنة 220 ه .