الجاحظ
35
المحاسن والأضداد
المأمون : « قد عرفنا تصريحك له ، وتعريضك لنفسك ، واجبناك إليهما ، ووقفناك عليهما » . قال : وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون كتابا يستعطفه على الجند : « كتابي إلى أمير المؤمنين ، ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم ، واختلّت أحوالهم » فقال المأمون : « واللّه لأقضينّ حق هذا الكلام » ، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر . قال : وقدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لعدة سلفت منه ، فطال على الرجل انتظار خروج أمر المأمون ، فقال لعمرو بن مسعدة : « توسّل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها ، تكن لك عليّ نعمتان » . فكتب : « إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته ، ويأذن له في الانصراف إلى بلده ، فعل إن شاء اللّه » . فلما قرأ المأمون الرقعة ، دعا عمرا ، فجعل يعجبه من حقن لفظها ، وايجاز المراد ، فقال عمرو : « فما نتيجتها يا أمير المؤمنين » ؟ قال : « الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه ، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه ، وبجائزة مائة ألف درهم ، صلة عن دناءة المطل وسماجة الأغفال » ، ففعل ذلك له . وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر ، قال : لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف الحجر ، ومات تحته خلق كثير ، كتب عبيد اللّه بن الحسن العلوي ، وهو والي الحرمين إلى المأمون : « إن أهل حرم اللّه ، وجيران بيته ، وآلاف مسجده وعمرة بلاده ، قد استجاروا بعزّ معروفك من سيل تراكمت أخرياته في هدم البنيان ، وقتل الرجال والنسوان ، واجتياح الأصول ، وجرف الأبقال ، حتى ما ترك طارفا ولا تالدا للراجع إليهما في مطعم ، ولا ملبس . فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد ، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم ، واحسانك إليهم تجد اللّه مكافئك عنهم ، ومثيبك عز الشكر منهم » .