الجاحظ

301

المحاسن والأضداد

وقادتني ، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق ، وأسدلت عليها ردائي ؛ فلما صرت إلى باب مضربها ، أخرجت يدي ، ووضعتها على جانب المضرب وضعا بينا ، فلما أصبحت ، صحت بغلماني وعبيدي ، ولي ألف عبد : « من أتاني بخبر المضرب الذي ضرب فيه بكذا وكذا ، فهو حر لوجه اللّه » . فلما كان في وقت المساء ، أتتني وليدة سوداء ، فقالت : « قد عرفت المضرب ، وهو لرملة أخت عبد الملك بن مروان » . فأعتقتها ، وأمرت لها بمائتي دينار ، وأمرت بمضربي ، فقلع ، وضرب بحذاء مضربها ، وكتب بالخبر إلى عبد الملك بن مروان ، فكتب إليها بالرحيل ؛ فركبت هودجها ، وركبت فرسي ، فزاحمتها في بعض الطريق ، فأشرفت عليّ من هودجها ، فقالت : « إليك عني ، أيها الرجل » ! قلت : « خاتم أو قميص أذكرك به » . فقالت لبعض جواريها : « ألقي إليه قميصا من قمصي » . فأخذته وأنا أقول : فلا وأبيك ما صوت الغواني * ولا شرب التي هي كالفصوص أردت برحلتي وأريد خطّا * ولا أكل الدّجاج ، ولا الخبيص قميص ما يفارقني حياتي * أنيس في المقام وفي الشّخوص وجعلت أنزل بنزولها ، وأركب بركوبها ، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل ؛ فاستقبلها عبد الملك في خاصته ، فدخل إليها ثم قال : « يا رملة ، ألم أنهك أن تطوفي بالبيت إلّا ليلا ، يحفّك الجواري ، ويحفّ الجواري الخدم ، ويحفّ الخدم الوكلاء لئلا يراك عمر بن أبي ربيعة » ؟ قالت : « واللّه ، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة قط » ، فخرج من عندها ، فبصر بمضربي ، فقال : « لمن المضرب » ؟ قيل : « لعمر بن أبي ربيعة » . قال : « عليّ به » . فأتيته بلا رداء ، ولا حذاء ، فدخلت عليه وسلمت عليه ؛ قال : « يا عمر ، ما حملك على الخروج من الحجاز من غير إذني » ؟ قلت : « شوقا إليك ، يا أمير المؤمنين ، وصبابة إلى رؤيتك » . فأطرق مليا ، ينكت في الأرض بيده ، ثم رفع رأسه فقال : « يا عمر ، هل لك في واحدة » ؟ قلت : « وما هي ، يا أمير المؤمنين » ؟ قال : « رملة أزوّجكها » ، قلت : « يا