الجاحظ

273

المحاسن والأضداد

القتلى ، فافترقوا فريقين ، فلما طال على الأشتر البلاء ، جاءني يوما وقال : « هل فيك خير » ؟ قلت : « عندي ما أحببت » ، قال : « تساعدني على زيارة جيداء » قلت : « بالحب والكرامة » ، فانهض إذا شئت » . قال : فركبنا وسرنا يوما وليلة والغداة حتى المساء ، فنظرنا إلى أدنى سرب لهم ، فأنخنا رواحلنا في شعب وقعدنا هنا ، وقال : « يا نمير ، اذهب وأنشد واذكر لمن يلقاك أنك طالب ضالة ، ولا تعرض بذكري بشفة ولا لسان ، إلى أن تلقى جاريتها فلانة ، راعية الضأن ، فتقرئها مني السلام ، وتسألها عن الخبر ، وتعلمها بمكاني » . قال : فخرجت لا أتعدى ما أمرني به ، حتى لقيت الجارية ، فأبلغتها الرسالة ، وأعلمتها بمكانه وسألتها عن الخبر ، فقالت : « هي مشدّد عليها ، محتفظ بها ، وعلى ذلك فموعد كما عند الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت ، مع صلاة العشاء » ، فانصرفت فأخبرته ، ثم قدنا رواحلنا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه ، فلم نلبث إلّا قليلا حتى إذا جيداء تمشي ، فدنت منا ، فوثب إليها الأشتر ، فتصافحا وسلم عليها ، ووثبت موليا عنهما فقالا : « أقسمنا عليك إلّا رجعت ، فو اللّه ما بيننا من ريبة ولا قبيح نخلو به دونك » ، فانصرفت إليهما ، وجلست معهما ، فقال الأشتر : « ما فيك حيلة يا جيداء فنتزود منك الليلة » ؟ قالت : « لا ، واللّه ، ما إلى ذلك سبيل إلّا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشر » ! فقال : « لا بد من ذلك ولو وقعت السماء على الأرض » ، قالت : « فهل بصاحبك خير » ؟ قلت : « بلى ، وهل الخير إلّا عندي ؟ فاسألي ما بدا لك ، فإني منته إليه ، ولو كان في ذلك كله ذهاب نفسي » ، فألبستني ثيابها ، وأخذت ثيابي ثم قالت : « اذهب إلى خبائي فادخل في ستري ، فإن زوجي يأتيك مع العتمة ، فيطلب منك القدح ليحلب فيه ، فلا تأخذه منه حتى يطيل عليك نكدك ، ثم خذه أو ذره حتى يضعه ثم يستبد بردائه ، ولست تراه حتى يصبح » ، فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى جاء بالقدح فيه اللبن فأطلت نكدي عليه ، ثم أهويت لآخذه فاختلفت يدي ويده ، وانكفأ القدح ، فانفق منه اللبن ، فقال : « إن هذا