الجاحظ
274
المحاسن والأضداد
الطماح مفرط » ، وضرب يده إلى جانب الخباء فاستخرج سوطا ، فضربني مقدار ثلاثين سوطا حتى جاءت أمه وأخواته فانتزعوني منه ، ولا واللّه ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي ، وهممت أن أوجره بالسكين ، فلما خرجوا عني وهو معهم ، قعدت كما كتب اللّه ، فما لبثت إن جاءت أم جيداء ، فحدثتني وهي تحسبني ابنتها فألقيتها بالسكوت ، وتغطيت بثوبي دونها ، فقالت : « يا بنية اتقي اللّه ، ولا تتعرضي للمكروه من زوجك ، فذلك أولى بك » ، ثم خرجت من عندي فقالت : « سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة عندك ، فلم ألبث أن جاءت الجارية تبكي ، وتدعو على من ضربني ، وأنا لا أكلمها ثم اضطجعت إلى جانبي فلما استمكنت منها ، شددت يدي على فمها ، وقلت : « يا هذه تلك أختك مع الأشتر ، وقد قطع ظهري بسببها ، وأنت أولى من ستر عليها فاختاري لنفسك ولها فو اللّه لئن تكلمت لتكونن فضيحة شاملة » ثم رفعت يدي عن فيها ، فاهتزت مثل القصبة من الروع ، وباتت معي ونلت منها الشهوة التامة ، ورافقتني أصلح رفيق رافقته ، ولم أذق شيئا ألذ مما ذقت منها قط ، فلم نزل نتحدث وتضحك مني ومما بليت به ، حتى برق النور ، وجاءت جيداء فلما رأتنا إرتاعت وقالت : « من هذا عندك » ؟ قلت : « أختك » ، قالت : « وما ، السبب » ؟ قلت : « هي تخبرك فإنها عالمة به » وأخذت ثيابي ، وأتيت صاحبي فأخبرته بما أصابني ، وكشفت له عن ظهري ، فإذا فيه ما اللّه به عليم » ، فقال : « لقد عظمت منتك عندي ، ووجب شكرك ، وخاطرت بنفسك ، فلا حرمني اللّه مكافأتك » . وعن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما بقل « 1 » وجهه ، وكان ذا جمال وهيئة ، صاحب غزل ، فهجم على قوم يتحملون ، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا ، وإذا امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها ، قال : فوقفت عليها ، فإذا هي أحسن خلق اللّه وجها ، وأغزله وأملحه ، فتلاقينا كلاما غير كثير ، فقالت : « أسألك شيئا فهل لك به علم » ؟ قلت : « سلي » ، قالت « أيهما أحسن جردة الرجل أم المرأة » ، قلت : « الرجل » ،
--> ( 1 ) بقل وجهه : خرج شعر وجهه .