الجاحظ

259

المحاسن والأضداد

« ما يرعدك » ، فقال يعلمها أنه قد علم : « خير قليل وفضحت نفسي » ، فشهقت شهقة خرت ميتة ، فقتل زوجها العبد ، وجعل يقول : لعمرك ما تعتادني منك لوعة * ولا أنا من وجد بذكراك أسهد قيل : وكانت هند بنت عتبة تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي ، وكان الفاكه من فتيان قريش ، وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس من غير إذن ، فخلا ذلك البيت يوما ، فضجع الفاكه ، وهند فيه ، فخرج الفاكه لبعض حوائجه ، وأقبل رجل ممن كان يغشى ذلك البيت فولجه ، فلما رأى المرأة ولى هاربا ، فرآه الفاكه وهو خارج من البيت ، فأقبل إلى هند فضربها برجله ، وقال : « من هذا الرجل الذي خرج من عندك » ؟ قالت : « ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى نبهتني » فقال لها : « الحقي بأهلك » ، فتكلم الناس فيها ، فقال لها أبوها : « يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأصدقيني ، فإن كان الرجل في قوله صادقا ، سببت له من يقتله فتنقطع عنك القالة ، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن » ، فحلفت له بما يحلفون به في الجاهلية أنه لكاذب ، فقال عتبة للفاكه : « يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن » ، فخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ، وخرج فاكه في جماعة من بني مخزوم . وأخرجوا معهم هندا ونسوة معها ، فلما شارفوا البلاد قالوا : « غدا نرد على الكاهن » فتغير لون هند ، فقال لها أبوها : « إني أرى ما بك ، فهلا كان هذا قبل خروجنا » ، قالت : لا واللّه يا أبتاه ما ذلك لمكروه ، ولكن سنأتي بشرا يخطئ ويصيب فلا نأمن أن يسومني مما يكون فيه سبة على باقي عمري » ، قال : « إني سوف اختبره قبل أن ينظر في أمرك ، فأخذ حبة من حنطة ، فأدخلها في إحليل فرسه ، وأوكى عليها بسير ، فلما دخلوا على الكاهن قال له عتبة : « ما كان مني في طريقي » ؟ قال : « ثمرة في كمرة » ، قال : « احتاج إلى أبين من هذا » ، قال : « حبة في إحليل مهر » ، قال : « صدقت ، فما بال هؤلاء النسوة » ؟ فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بمنكبها ، حتى أتى إلى هند فضرب بمنكبها ، وقال : « انهضي غير رسحاء ، ولا فاحشة ، ولتلدين ملكا يقال له معاوية » ، فوثب