الجاحظ

248

المحاسن والأضداد

بصر بامرأة قد قامت عن بنات لها ، فسألت إحداهن : ( أين تذهبين ) ؟ قالت : إلى الخلاء ، ثم خرجت إلى بيوت الحي فعارضها رجل فمضيا جميعا ، ولقمان ينظر ، فوقع الرجل عليها ، وقضى حاجته منها ، فقالت المرأة : هل لك أن أتماوت على أهلي ، فإنما هو ثلاثة أيام أكون في رجمي ، ثم تجيء : فتستخرجني فنتمتع ، فقال الرجل أفعلي ؛ وكان اسمه الخلي ، وزوج المرأة اسمه الشجي فقال لقمان : ويل للشجي من الخلي فذهبت مثلا ، فلم تلبث المرأة إلّا أياما حتى تماوتت على أهلها ، وكان الميت منهم إذا مات تجعل فوقه الحجارة ولم تكن إذ ذاك قبور ، فلما كان اليوم الثالث ، جاءها خليلها فأخرجها ، وانطلق بها إلى منزله ، وتحول الحي من ذلك المكان ، وخافت المرأة أن تعرف فجزت شعرها ، وتركت لنفسها جمة ، فبينا هم كذلك ، إذ خرج بنات المرأة فإذا هن بامرأة جالسة ذات جمة ، فقالت الصغرى : ( أمي واللّه ) ، قالت الوسطى : ( صدقت واللّه ) ، قالت المرأة : كذبتما ما أنا لكما بأم ، قالت الكبرى : صدقت ! واللّه لقد دفنا أمنا غير ذات جمة ، ما كان لأمنا إلّا لمة قالت الصغرى : هبك أنكرت أعلاها ، أما تعرفين أخراها فتعلقت به ، فقالت : صغراهن مراهن ، فذهبت مثلا . واجتمع الناس ، وجاء زوج المرأة ، فارتفعوا إلى لقمان فقالوا : أحكم بيننا ، فقال لقمان : عند جهينة الخبر اليقين فذهبت مثلا . وكان يلقب بجهينة ، فقال لقمان للمرأة : أخبرك أم تخبريني ؟ قالت : بل قل ، قال : إنك قلت لهذا إني متماوتة على أهلي ، فإذا دفنوني في رجمي ، جئت فاستخرجتني ، وأتنكر لهم فلا يعرفونني ، فنتنعم ما بقينا ، فاعترفت المرأة فقيل للقمان : أحكم بيننا ، قال : أرجموها كما رجمت نفسها ، فحفر لها حفرة وألقوها ، فيها ورجموها ، وكانت أول مرجومة في العرب ، ثم أن زوجها تعلق بالخلي فقال : يا لقمان هذا فراق بيني وبين أهلي ، فقال لقمان : لكل ذكر أنثى ، ولكل أول آخر ، فرّق بينك وبين أنثاك ، ونفرق بين ذكره وبين أنثييه ، فقطع ذكره ، فمات .