الجاحظ
238
المحاسن والأضداد
« العصا » ، وانج بنفسك » ( والعصا كانت فرسا لجذيمة ، لا يشقّ غبارها ) ؛ فلم يعبأ جذيمة بقوله ؛ وسار حتى دخل المدينة ، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن ينزلوا فأنزلوا ، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم ؛ وأذنت لجذيمة ، فدخل عليها ، وهي في قصر لها ، ولم يكن معها في قصرها إلّا الجواري ، فأومأت إليهن أن يأخذنه ؛ واجتمعن عليه ليكتفنه ، فامتنع عليهن ، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى أثخنه وكتفنه . ثم دعت بنطع ، فأجلسته فيه ، وكشفت عن عورتها ؛ فنظر جذيمة ، فإذا لها شعرة وافية . فقالت : « كيف ترى عروسك ؟ أشوار عروس أم ما ترى ؟ « أرى بظرا ناتئا ، ونبتا فاشيا ، ولا أعلم ما وراء ذلك » ؟ قالت : « أما إنه ليس من عدم المواسي أو لقلة الأواسي ، ولكنه شمة من أناسي » . ثم أمرت به ، فقطعت عروقه ، فجعلت دماؤه تشخب في النطع ، فقالت : « لا يحزنك ما ترى . فإنه دم هراقة أهله » ، فأرسلتها مثلا . واحتال « قصير » للعصا حتى وصل إليها وركبها ، ثم دفعها ، فجعلت تهوي به كأنها الريح . وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفا على الطريق ، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس ، فقال : « للّه حزم على رأس العصا » ، فلم تزل دماؤه تشخب حتى مات . ثم أمرت بأصحابه ، فقتلوا بأجمعهم . وكان عمرو بن عديّ يركب كل يوم من الحيرة ، فيأتي طريق الشام ، يتجسس عن خبره وحاله ، فلم يبلغه أحد خبره . فبينا هو ذات يوم في ذلك ، إذ نظر إلى فرس مقبل على الطريق ، فلما دنا منه ، عرف الفرس ، وقال : « يا خير ما جاءت به العصا » ، فذهبت مثلا . فلما دنا منه قصير ، قال له : « ما وراءك » ؟ قال : « قتل خالك وجنوده جميعا ، فاطلب بثأرك » . قال : « وكيف لي بها ، وهي أمنع من عقاب الجو » ؟ فذهبت مثلا . ثم أن قصيرا أمر بأنف نفسه فجدع ، ثم ركب وسار نحو الزبّاء ، فاستأذن عليها ، فقيل لها : « إن مولى لجذيمة وقرهمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مجدوعا » . فأذنت له ، فدخل عليها .