الجاحظ
239
المحاسن والأضداد
قالت : « من صنع بك هذا » ؟ قال : « أيتها الملكة ! هذا فعل عمرو بن عدي ، اتّهمني وتجنّى عليّ الذنوب ، وزعم أني أشرت على خاله بالمصير إليك ، حتى فعل بي ما ترين ، ولم آمنه أن يقتلني ، فخرجت هاربا إليك ، وقد أتيتك لأكون معك ، وفي خدمتك ؛ ولي جداء وعندي غناء » . قالت : « نعم أقم ، فعندي لك ما تحب » ، وولّته نفقتها ، فخفّ لها ، ورأت منه الرشاقة ، فيما أسندته إليه ، فأقام عندها حولا ، ثم قال لها : « أيتها الملكة ! إنه لي بالعراق مالا كثيرا ، فإذا أذنت لي في الخروج لحمله ، فافعلي » . فدفعت إليه مالا كثيرا ، وأمرته أن يشتري له ثيابا من الخز والوشي ولآليء وياقوتا ومسكا وعنبرا وألنجوجا . فانطلق حتى أتى عمرا فأخبره ، فأخذ منه ضعفي مالها ، وانصرف نحوها ، فاسترخصت ما جاء به ، وردّته الثانية والثالثة ، فكان يأخذ في كل مرة مثل أضعاف مالها ، فيشتري لها جميع ما تريد ، فتسترخصه . ووقع قصير بقلبها ، فاستخلفته ، ثم بعثته في الدفعة الرابعة بمال عظيم ، وأمرته أن يشتري أثاثا ومتاعا وفرشا وآنية ، فانطلق إلى عمرو ، فقال : « قد قضيت ما عليّ ، وبقي ما عليك » ، فقال : « وما الذي تريد » ؟ قال « أخرج معي في ألفي فارس من خدمك ، وكونوا في أجواف الجواليق ، على كل بعير رجلان » . فانتخب عمرو ألفي فارس من أصحابه ، فخرج ، وخرجوا معه في الجواليق ، كل رجل بسيف ، وكان يسير النهار ، فإذا أمسى الليل ، فتح الجواليق ليخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم ، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل ، تقدم « قصير » حتى دخل عليها ، وقال : « أيتها الملكة ! اصعدي على القصر لتنظري ما أتيتك به » ، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الجمال ، فقالت : ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا « 1 »
--> ( 1 ) الصرفان : نوع من التمر واحدته صرفانة . وهي التمرة الحمراء الصلبة العلكة الثقيلة .