الجاحظ
224
المحاسن والأضداد
عن عدّة نسائه ، وأيهنّ أكرم عليه ، وأتيني بعلم ذلك » . فانطلقت حتى عرفت ذلك ، وانصرفت فقالت : « إني وجدت له أربعمائة امرأة ما بين أمة وحرّة ، وليس فيهنّ أكرم عليه من ابنة سائس من سواسه ، أعجبته ، فتزوج بها » . فقالت : « انطلقي إليها ، وأقرئيها مني السلام ، وأعلميها إني أريد مؤاخاتها ، والانقطاع إليها » . فانطلقت الحاضنة إلى ابنة السائس ، فأبلغتها رسالة مولاتها ، فقالت لها : « أقرئيها مني السلام ، وأعلميها إني قد أحببتها وأجبتها إلى ما سألت ، فتصير إليّ » . فانصرفت ، فأخبرتها بما قالت ؛ فتهيأت بأحسن هيئة ، وأقبلت إليها ، ودخلت عليها ، فرفعت مجلسها وأقبلت عليها ، فذكرت حبها لها ، ورغبتها في مواصلتها ، فردّت عليها ابنة السائس أحسن الردّ ، وأعلمتها سرورها بذلك ، ثم تحدثتا ساعة ؛ وانصرفت ، وجعلت الهندية تأتيها غبا ، وتظهر الأنس ؛ فلما أنست بها ، قالت لها : « إنك قد استلبت قلب الملك ، وقهرت جميعنا بفضلك ، وليس لواحدة منّا نصيب ، فأعلمينا الأمر الذي فضلتنا به لنزداد سرورا بما أوتيت ، ومحبة لك ، والانقطاع إليك » . قالت : « إني لما عرفت ضعف نسبي ، وقلّة جمالي ، علمت أنه لا يرجع الملك مني إلى شيء أحظى به عنده مثل المؤاتاة في الخلوة ، وأن أبسطه إذا همّ بالحركة ، وأستميل قلبه باللطف وفضل الخدمة . فلما رآني على ذلك مستمرة ، ورأى من سائر نسائه أنفة الأكفاء ، وزهو الجمال ، وخيلاء الملك ، وعلمت أني إن أخذت ما أخذته ، مع خمول نسبي ، وقلة جمالي ، ودقة خطري ، لا يليق بي مثل الذي يليق بهن ، ففضّلني على جميع نسائه بذلك » . فلما سمعت ابنة الملك ذلك ، علمت أن قلوب الرجال لا تستمال إلّا بالمؤاتاة ، وسرعة الإجابة في الباه عند المشغلة ؛ فعزمت أن تجعل ذلك عدّة لاستعطاف قلب الملك . فانصرفت إلى قصرها ، وقالت لبعض جواريها : « اذهبي إلى فلانة ( تعني ابنة السائس ) ، فإن رأيت الملك عندها فأعلميها أني عليلة من وجع عرض لي » . فانطلقت الجارية ، فإذا الملك عندها ،