الجاحظ

225

المحاسن والأضداد

فأخبرتها بذلك ، فرقّ الملك لها ، وذكر غربتها ، وقتله أباها ، فقال لابنة السائس : « ما ترين في إتيانها » ؟ فقالت : « أيها الملك ؟ إنه ليس في نسائك من لها عندي مثل منزلتها فصر إليها ، فإنها غريبة قد فارقت أهلها ، وهي في موضع رحمة » . فقام الملك ، حتى دخل عليها ، وانتهى إلى باب مجلسها ، فقامت إليه تمشي بأحسن هيئتها ، متكسرة في حليها ، وزينتها عبقة بطيبها وعطرها ، فقبّلت بين عينيه ، وأخذت بيده حتى أجلسته في صدر فراشها ، وجعلت تقبّل يديه ورجليه ، ضاحكة إليه ، مظهرة السرورو به . فجذبها إلى نفسه ودعاها إلى المضاجعة ، فأتته ؛ ولم يرد في الخلوة شيئا إلّا أجابته إليه ؛ فلما قضى حاجته نازعها إلى المحادثة ، فقال : « أين ما ذكر رسولك من وجعك » ؟ قالت : « يا سيّدي ، كنت متوجعة لفراقك حتى شفاني لقاؤك ، وقلت ذلك لما نالني من تباريح الشوق إليك وطول صدودك وسلوتك » . ثم أخذ معها في المداعبة ، وأقام عندها سبعة أيام ، فبينما هما يتلاعبان ويتذاكران ويتعانقان ، إذ دخلت جارية لابنة السائس ، فحيّت الملك بتحيّة الملوك ، ثم قالت للهندية : « إن سيّدتي ( تعني ابنة السائس ) تقول : قد اجتمع فيك ثلاث خصال : الأولى الغدر بمعلمتك ، والثانية فضل تطاولك ، والثالثة كفران النعمة للمنعم ، وإني عن قريب رادّتك من الملك إلى غصص الغيظ » . فأفحمتها ، وهملت « 1 » عيناها ، ونظرت إلى الملك كالمستغيثة به فقال لها الملك : « يا حبيبتي ؟ ما تنكرين من أمتك ؟ قد وهبتها لك وجميع ما تملك » . فتجلى عنها غمّها ، فقالت لرسولتها : « انطلقي فأعلميها أن الملك قد وهبها وما تملك لي ، وقولي لها : أرجعك فحش نفسك إلى لؤم حسبك ، وإهمال أدبك . ائتيني ، الساعة ، بصغار المذلّة ، ورقّة العبودية » . فلما أبلغتها الرسول ذلك ، أقبلت فدخلت عليها فحيّت الملك وقامت

--> ( 1 ) هملت : دمعت ، ذرفت الدمع بغزارة .